دراسة نقدية :
بعنوان
"يقظة العرب و الوجه الآخر لنجيب عازوري"
الموضوع :
عرض ومناقشة مقال "جان داية" :
" تواطؤ والي القدس وصمت السلطان عبد الحميد ، وراء ضياع أرض فلسطين"
مجلة العربي التي تصدر بالكويت ، العدد504 لعام 2000
عرض الباحث اللبناني "جان داية" في مجلة العربي التي تصدر بالكويت في العدد 504 لشهر نوفمبر لعام 2000 تحت عنوان "تواطؤ والي القدس وصمت السلطان عبد الحميد وراء ضياع فلسطين"، و "عازوري حذر في بداية القرن العشرين من خطورة الاستيطان الصهيوني". وفقرات من كتاب المفكر اللبناني الجنوبي "نجيب عازوري" الذي صدر في باريس عام 1905 تحت عنوان "يقظة الأمة العربية" وفقرات من مقالات منسوبة لنفس المفكر في جريدتي الإخلاص والمقطم.
يكشف جان داية هوية نجيب عازوري بقوله "إنه كان معاوناً لحاكم (متصرف) ولاية القدس منذ عام 1898 وحتى عام 1904، وبالتالي كان عالماً بأسرار كثيرة تتعلق بالمسألة الفلسطينية في تلك المرحلة.
المتابع لما كتبه جان داية عبر الصفحات الخمس وعرضه "لبعض ماورد في مقالات عازوري المجهولة والمهمة"، تستوقفه وتصدمه عبارات لا يمكن السكون عنها ومنها : (الفلاحون الفلسطينيون يبيعون آلاف الدونمات من أراضيهم).
ونحن نرى الشعب العربي الفلسطيني يعضُ بنواجذه على كل حبة تراب يرويها بدمائه، والانتفاضة أبلغ شاهد!.
الخمسون سنة من عمر النكبة، كانت كافية للردّ على هذه التهمة التي روجت لها الصهيونية منذ مطلع هذا القرن. كشفت الوثائق والمستندات جغرافية الأرض المسماة اليوم فلسطين وتاريخها، كما كشفت قوانين الأراضي وتشريعاتها والامتيازات الممنوحة للأجانب، وهوية المالكين، ومصير الفلاح المسكين وهو يٌدفع تحت القوة والتهديد إلى مصيره بالتهجير بعد صدور حكم تنفيذي عليه بالرحيل لمصلحة المشتري اليهودي الجديد!..
كما عرض جان داية، وجهاً قومياً عربياً لنجيب عازوري، ولكن له وجهاً آخر يجب إماطة اللثام عنه، إضافة إلى أن العازوري- وقد حذا حذوه جان داية- سلخ مشكلة الاستيطان اليهودي عن جذورها، كحلقة مركزية للمشروع الاستعماري الغربي للسيطرة على الوطن العربي في أخطر مراحله وخلال الفترة التي زامنت حكم السلطان عبد الحميد من تاريخ 1876 وحتى الانقلاب عليه عام 1908 نستعرض المقال بمناقشة متأنية لما جاء فيه:
1
كشف معالم الخطر الصهيوني
يقول جان داية : "كان نجيب عازوري أول من كشف معالم الخطر الصهيوني في فلسطين". لقد ارتبط الخطر الصهيوني بجملة الأحداث التي أدت إلى تحقيق الأطماع الصهيونية وأحلامها البعيدة التي تدعي أحقية تاريخية أو دينية مزعومة كما يرتبط بهدف استراتيجي هو فصل جزء عزيز من الأرض العربية، لكي يقام عليه مخفرٌ متقدم لصالح الغرب الاستعماري، يخوله التحكم في كامل المنطقة، فتحققت بداية ذلك عشية الحرب العالمية الأولى، ومع وضوح الوعي المبكر لهذا الخطر وأطماعه لدى عدد كبير من رجال الفكر والسياسة وعلى المستوى الشعبي، وعلى كل الأصعدة والمجالات، هذا الوعي الذي كان ظاهراً ومتزامناً مع تطور الأحداث، إلا أننا نجد بعض الكتاب يشيرون في السنين الأخيرة إلى كلمات مغمورة في حينه يسلطون الأضواء ويجعلون لها فضلاً كبيراً بل الأول"1.
وليس أدل على ذلك من الأمثلة العديدة التي أسوقها للتدليل على الحس والوعي العميقين لأخطار الاستيطان.
1- "عندما بدأ يوسف ناسي – يهودي من أصل برتغالي- ببناء مستوطنة يهودية على أرض مدينة طبريا مع سبع قرى حولها، - حصل على فرمان بذلك من السلطان العثماني سليمان القانوني عام 1561م – أبدى السكان السكان العرب معارضة شديدة، وقدموا شكوى رسمية للباب العالي بهذا الخصوص، وتصاعدت المعارضة إلى إضراب للعمال وتوقف عن العمل، لكن تدخل والي الشام، وإرساله فرقة من الجنود، عاقبت الشيوخ" 2، وتحت حرابهم تمت عملية البناء.
2- اعتراض "مجلس القدس الشريف" على طلب المقدم من "موسى مونتفيوري" – يهودي بريطاني إلى محمد علي باشا عام 1837 لتأجيره أرضاً مساحتها خمسون فداناً ومائتا قرية من قرى فلسطين لخمسين عاماً وذلك "لمخالفته الشريعة، وقد صادق محمد علي باشا على قرار المجلس المذكور" 3 وامتنع عن إجابة طلب مونتفيوري.
3- "بدأت محاولات الاستيطان اليهودي في مدينة صفد أيام حكم ضاهر العمر عام 1769م حيث سعى لإحضارهم إلى المنطقة، بهدف التنشيط التجاري"4، فتم بناء الحي اليهودي فيها وأثناء حصار نابليون لعكا عام 1799، اجتاحت القوات الفرنسية صفد، وكانت تضم أعداداً من اليهود لتدعيم الاستيطان اليهودي في المدينة، عندها انتفض السكان العرب وهاجموا الحي اليهودي، وتكررت الانتفاضة عام 1831، فتزامنت مع الثورة العامة على إبراهيم باشا إذ هوجم الحي اليهودي مرة ثانية في ثورة على الوجود اليهودي في مدينتهم.
وحين زار محمد علي باشا، وعرف عن ثورة أهل صفد، طلب إلى ابن الأمير بشير (أمين الشهابي) أن يقوم بتأديب المتمردين، مما دعا قيام الأمير بشير إلى تجنيد حملة اتجهت إلى صفد بعد أن استمع إلى الشكوى المقدمة إليه من يهود المدينة، للتنكيل وتشريد أهل المدينة وسجن وجهائها."5.
4- "قاوم الفلاحون الاستيطان الصهيوني في الخضيرة وبتاح تكفا عام 1886م فحصلت إصطدامات مسلحة، مما اضطر الحكومة العثمانية إلى إصدار قرارات تفرض قيوداً على هجرة اليهود لفلسطين"6.
5- احتج وجهاء القدس على موجات الهجرة الصهيونية المتدفقة على فلسطين وخاصة القدس، وطيروا برقية للباب العالي وقعها بتاريخ 24/6/1891، خمسماية من الأهالي طالبوا فيها منع الهجرة وشراء الأراضي من قبل اليهود، وكانت على ما يبدو أحد الأسباب التي شددت فيها الاستانة قيودها على الهجرة وشراء الأراضي من قبل اليهود"7.
أما على صعيد المفكرين والأدباء ورجال الصحافة، فقد نشطت توعية السكان لأخطار الهجرة، من خلال الكتابة في الصحف وإصدار النشرات وأسواق على سبيل المثال بعض الأمثلة:
1- كتب أمين أرسلان في المقطم بتاريخ 24ت1 1897 مقالاً بعنوان "مملكة صهيوني" يشير إلى مؤتمر بال وينبه على أن هدفه "إنشاء مملكة إسرائيلية مستقلة"8.
2- "حذر محمد رشيد رضا في جريدة المنار الواسعة الانتشار في المشرق العربي من الخطر منذ عام 1898 ودعا العرب إلى اليقظة والنهضة والأخذ بأسباب العلم والمعرفة وأساليب العمران، كما كشف أن زعماء جميعة الاتحاد والترقي، كلهم من شيعة لاماسون وأن من لوازم تشيعهم للماسون قوة النفوذ بينهم وفي الدولة، وفي ذلك يقضي إلى فوز الجمعية الصهيونية في استعمار بلاد فلسطين الذي يراد به إعادة ملك إسرائيل"9.
3- كتب موفد صحيفة الأهرام القاهرية في فلسطين مقالاً في شهر أكتوبر لعام 1909، بأن جماهير الشعب كانت قلقة حيال الحركة الصهيونية والهجرة المتدفقة، وتم تشكيل منظمة لمنع بيع الأراضي لليهود، كما نشطت الدعوة لمقاطعة البضائع اليهودية كرد على تطبيق الشعار الصهيوني باحتلال العمل"10.
2
كتاب "خطر اليهود العالمي" لعالمي" لعازوري
يشير جان داية إلى كتاب آخر. وعد نجيب عازوري أكثر من مرة بإصداره تحت عنوان "خطر اليهود العالمي"، فيقرر أولاً عدم صدوره، ثم يعود إلى القول بصدوره "وإن الحركة الصهيونية قامت بجمعه، وإن عدم ظهور الكتاب شكل خسارة إعلامية كبيرة على صعيد نكبة فلسطين"11.
إن ستار المعلومات الموثقة التي اختبأت نوايا الكاتب خلفه، يكشف التجني الفاضح الذي يوجه لفلسطين وسكانها العرب. يورد نجيب عازوري في إحصائيات ووصف لحالة فلسطين، "أنه بالرغم من كبر مساحتها وكثرة مجاري المياه التي تخترقها وموقعها الجغرافي المتميز على البحر الأبيض المتوسط، فلا يتعدى عدد الريفيين مائة ألف نسمة مطلقاً، وإذا أضفنا إليهم سكان المدن يصل العدد إلى مائة وسبعين ألف نسمة، ويجب إضافة ثلاثين ألف بدوي من الرحل في هضبة بئر السبع ليصل العدد مئتي ألف نسمة... ثم يعقب: ولا نحصي ضمن هذا العدد، اليهود الذين يبلغون مئتي ألف أيضاً"12.
" وأنه في مايس 1902 أصبح الفلاح الفلسطيني في حالة يرثى لها، فعمد إلى الصيارفة والمرابين اليهود وأخذ منهم المال بالربا الفاحش إلى الموسم القادم، وأتى زحف الجراد بخيله ورجله حتى غطى الفضاء وكسا الأرض، وتعذر على الفلسطينين تسديد المال للمرابين اليهود في الموعد المحدد، فاضطروا بضغط من الوالي إلى بيع أراضيهم لدائنيهم بطريق المزاد"13.
إن فلسطين عند نجيب عازوري شبه خالية من السكان.. والمهاجرون اليهود بعدد السكان العرب!... والوضع الاقتصادي متدهور إلى حدّ أن الأكثرية السكانية "الفلاحون" يبيعون أراضيهم عند غارة جراد! مثل هذه العبارات عن وصف فلسطين، لا تزال حتى الآن الحجة في الإعلام الغربي والصهيوني.. لتبرير انتزاع الأرض في فلسطين مثلما عرفها "تسانجويل" بأنها "أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض"14.
إن الوثائق والمستندات والإحصاءات الموثقة، تؤكد "بأن عدد سكان فلسطين من اليهود في نهاية الحرب الكونية الأولى /56/ ألفاً توزعوا بين المدن الرئيسية (القدس- يافا- تل أبيب- حيفا – صفد- طبريا) وفي حوالي /50/ مستعمرة زراعية وكانت نسبتهم من مجموع سكان البلاد حوالي /750000/ أقل من /10/ في المائة"15.
وأما في الحقل الزراعي، فلم تكن فلسطين تعتمد على زراعة واحدة وفصل واحد، فالزراعة متنوعة وعلى مدار الفصول الأربعة وخاصة وادي الأردن الغني بالحبوب والخضروات والموز والنخيل، والساحل بأمطاره الغزيرة اشتهر منذ القديم بالبرتقال.
وكانت للمدن الفلسطينية إسهامات في تصدير مختلف المنتجات الزراعية والصناعية إلى أوربا منذ حوالي منتصف القرن التاسع عشر. فقد ذكر شولخ "يافا وحيفا وعكا كموانئ لتصدير القمح والشعير والذرة وكذلك السمسم وزيت الزيتون... كما كانت يافا تصدر الصابون والصوف والبرتقال على نطاق واسع وبكميات تتصاعد باستمرار منذ حوالي العام 1850" 16.
"واشتهرت مدينة الخليل بعنبها وبتصنيعها للقرب والزجاج- وغزة بفخارها ومنسوجاتها... ونابلس بمصانع الصابون فيها وبحلج القطن وغزله" أما المدن "القدس والخليل وبيت لحم والناصرة" فاشتهرت بصناعة المنتجات الخشبية ونحتها والألبسة الحريرية والمقصبة والفلكور الفلسطيني"16.
وللتدليل على قوة الاقتصاد الزراعي والصناعي، في تلك الفترة، أشير إلى أن أكثرية المهاجرين اليهود إلى فلسطين لم تكن تعمل في الصناعة والزراعة، بل كانت تنتظر الصدقات –الهالوكا- وحتى الذين توجهوا إلى المستوطنات اشتغل أكثرهم بأعمال الإدارة والإشراف، وكان الفلاحون والعمال العرب يقومون بالأعمال الزراعية والمهنية.
3
الخلل الحقوقي في صياغة "جان داية" لبحثه
تابع "جان داية" توجيه تهمة بيع أراضي فلسطين إلى الفلسطينين، وإلى الفلاحين منهم خاصة عبر صيغ مثلت إطاراً عاماً لما ادعى الكشف عنه، من خلال كتابات ومقالات نجيب عازوري، فالصيغ المستخدمة من قبله كالأراضي الفلسطينية والفلاح الفلسطيني، لا تمثل واقعاً في السياق التاريخي المحدد من قبله، خلال فترة حكم السلطان عبد الحميد.
لم تأخذ فلسطين" بحدود سايكس بيكو وفيما بعد الانتداب البريطاني" شكل الوحدة السياسية خلال الفترة المذكورة. إنما تبعت لأكثر من ولاية، وجرى وضعها بعد الحرب العالمية الأولى تحت الانتداب البريطاني لتحويلها إلى دولة يهودية.
لقد ارتبطت فلسطين بمجمل صيرورة التاريخ العالمي الحديث، وكمحصلة لمضاعفات وتداعيات المسألة الشرقية وصعود الغرب والرأسمالية والاستعمار ومشروعه الهادف للسيطرة على الشرق والوطن العربي، مع تأثيرات الادعاءات اليهودية والتوجهات الصهيونية، وكان نتاج ذلك ضياع أراضي فلسطين.
لذلك فالتفاصيل الواردة في بحثه، ابتداءً من التاريخ الذي حدده لإتمام عمليات البيع عام 1903، والكيفية التي جرت فيه، وتحديده الجهة البائعة بفلاحي غزة وفلاحي جهة اليهودية وياسور وبيت دفان إضافة لعرب بئر السبع ولأكثر من أربعمائة ألف دونم، تشير إلى عدم الموضوعية في بحثه وإلى توجيه تهماً في تجنٍ واضح.
لم يكن الفلاحون يملكون المساحات التي أوردها العازوري في كتاباته، في المناطق المشار إليها، وكان عليه توثيق بحثه، حيث كان على رأس عمله، كمعاون لوالي القدس في السنة التي حددها.
لتوضيح الحقيقة في كيفية تملك المساحات الشاسعة من أراضي فلسطين خلال فترة السلطات عبد المحيد، كما هدف كاتب المقال، لابدّ من عرضٍ لنظام ملكية الأراضي في الدولة العثمانية والظروف والجهات المالكة نتيجة ذلك.
4
نظام ملكية الأراضي في الدولة العثمانية
أولاً: التقسيمات الإدارية: كانت فلسطين بحسب قانون الولايات لعام 1864 مقسمة إلى ثلاثة سناحق:
1- سنجق عكا وأقضيته: عكا وحيفا وصفد والناصرة وطبريا.
2- سنجق نابلس وأقضيته: نابلس وجنين وطول كرم.
3- سنجق القدس وأقضيته: القدس ويافا وغزة والخليل وبئر السبع.
تبع سنجقا عكا ونابلس ولاية دمشق حتى عام 1878 وحين استقلت بيروت كولاية تتبع العاصمة (الآستانة) مباشرة، التحق بها السنجقان المذكوران.
أما سنجق القدس فقد تبع ولاية دمشق حتى عام 1874 حيث استقل وتبع العاصمة الآستانة مباشرة".
ثانياً: قانون الأراضي العثماني لعام 1858:
قسمت الأراضي بموجب القانون المذكور إلى خمسة أنواع:
1- الأراضي "الملك" وهي الأراضي الموجودة داخل المدن والقرى وما يحيط بها، وما خصص للسكن وما يعتبر مكملاً له.
2- الأراضي "الأميرية" وهي السهول الزراعية والمراعي والغابات وقد اعتبرت أراضي فلسطين أميرية بموجب الإرادة السنية لعام 1861، حيث خصصت لكل مدينة وقرية قسماً منها وبيع الباقي بالمزاد العلني.
3- الأراضي المتروكة وهي المخصصة للتخديم والنفع العام كالطرق.
4- الأرض الموات وهي البراري والمراعي الفقيرة.
5- الجفتلك وهي أراض وضع السلطان عبد الحميد يده عليها، وعند خلعه عام 1908، دٌورت للدولة ومعظمها في مناطق بيسان والحولة وجوار البحر الميت، وهي من أخصب اراضي فلسطين".
ثالثاً: قانون تسجيل الأراضي "الطابو" في فلسطين
لقد كانت الغاية الحقيقية لإصدار قوانين الأراضي وتسجيلها وتحديد ملكية الأراضي للأفراد، من أجل جمع أكبر قدر ممكن من المال لصالح الخزينة برفع قيم البدل والضرائب والرسوم المترتبة على عملية التملك والتسجيل، وحيث عجز المالكون الصغار عن تأدية ذلك وباعتبار أن الملكيات في معظم الحالات كانت على المشاع، أدركنا أن هناك مساحات شاسعة من الأراضي في فلسطين، جرى تسجيلها باسم تجار ومرابين وجامعي ضرائب ومتنفذين حكوميين، يعود معظمهم إلى العائلات الكبيرة في بيروت ودمشق والقدس ويافا وحيفا.
ونتيجة ذلك "فإن ملكيات كبيرة قد ظهرت – فقد تملك 250 ملاكاً كبيراً وعائلة كبيرة أكثر من أربعة ملايين دونم من الأرض – وتملكت عائلة واحدة في بيروت- التاجر والصيرفي سرسق مساحات شاسعة في مرج ابن عامر (حوالي /240000/ دونم) والحولة حوالي (/60000/ دونم) 19، وفي مناطق أخرى. تمثل هذه المساحة 8% من أخصب أراضي فلسطين وأكثر من 1% من أراضي فلسطين بكاملها وقد تم بيع هذه الأراضي إلى الشركات الصهيونية خلال فترات متعاقبة من قبل مالكها الوحيد "سرسق".
رابعاً: قانون تملك الأجانب لعام 1869:
"وبصدور قانون تملك الأجانب عام 1869 خلال حكم السلطان عبد العزيز الأول الذي سمح لهم، سواء كانوا أفراداً أو مؤسسات أو شركات بالاستفادة من حقوق التصرف بالأملاك بما فيها الأراضي في جميع أجزاء الدولة عدا الحجاز سواء في داخل المدن أو خارجها – بما في ذلك استحقاق الوصية والهبة والبيع- أدركنا كيف انتقلت الملكيات الكبيرة إلى أجانب سواء كانوا يهوداً بجنسيات متعددة أو غيرهم"20.
وإذا أضفنا إلى ذلك قيام يهود من التابعية العثمانية، بتملك الأرض وحيازتها وإذا أخذنا بعين الاعتبار استقرار نظام ملكية الأراضي على الشكل الذي أوضحناه، تبين لنا عظم النتيجة المترتبة على ذلك.
5
وقائع تطور الاستيطان الصهيوني
خلال فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني
1876-1908
أولاً لابدّ من التمهيد، بالحديث عن عمليات الاستيطان الصهيوني، خلال الفترة التي سبقت صدور قانون تملك الأراضي 1869، والفترة التي حكم فيها السلطان عبد الحميد الثاني الدولة العثمانية. "لقد اقتصرت عمليات الاستيطان على حركات يهودية أوروبية دينية أو دينوية"21، روجت لها جهات تبشيرية أهمها: جمعية الهيكل الألمانية 1869 وجميعة شوفيفي زيون وجمعية عزرا الألمانية والمبشرة الأمريكية مينور 1852، والقنصل الأمريكي كريسون 1852 إضافة إلى الأليانس الفرنسية 1860، والبروتيانيين والاسكتلنديين وغيرهم.
وقد حصلوا من الدولة العثمانية على موافقات للعمل واستئجار وشراء الأراضي (موسى مونيفوري) والتنقيب على الآثار "الجمعيتين الأميريكة والبريطانية لاستكشاف فلسطين ابتداء من عام /1870/" مما شكل أساساً لبداية استيطان صهيوني منظم فيما بعد.
وهكذا، بحلول عام 1880- بدايات حكم السلطان عبد الحميد-، كان لدى اليهود الألمان مستوطنات في حيفا ويافا، إضافة لمستوطنتي، مكفية بسرائيل وبتاح تكفا. إلا أن الاستيطان الفعلي المعروف بالهجرة الأولى، قام به المهاجرون اليهود بعد طردهم من روسيا وبولونيا ورومانيا ابتداءً من عام 1881.
فقد تولت بريطانيا أعمال المساندة والدعم حيث إن احتلالها لمصر عام 1882، ساعد في تحقيق ذلك. وفي ظل الأوضاع الدولية السائدة بالنسبة للدولة العثمانية وفساد الإدارة فيها، وبتوفر دعم مالي كامل قدمته أكثر من جهة، أبرزها مؤسسة روتشيلد أولاً ثم ألايكا وصناديق التمويل الصهيونية بعد مؤتمر بال 1897. ثانياً استطاعت الصهيونية خلال الفترة التي تحدث عنها "جان داية" في مقالته نقلاً عن العازوري والتي تنتهي بعام 1904، إنشاء /25/ مستوطنة يهودية تجاوزت مساحاتها 340000 دونماً.
إن المستوطنات والأرض المبيعة خلال أكثر من ثلاثين عاماً اختزلها العازوري في عام واحد، هو العام 1903 بإسقاط كاملٍ لشروط البحث والمنهج العلمي- والأمان، مستبعداً السياق التاريخي والواقع الجغرافي مستخدماً صيغاً ومصطلحات أخذت طريقها إلى بحثه تجاوزاً – كالفلسطينية، والفلاح الفلسطيني- والفلسطينيين مما جرى التفصيل فيه سابقاً.
وقد أجريت تحليلاً علمياً شمل كافة عمليات البيع والاستيلاء على الأراضي التي حصلت عليها الجهات اليهودية والصهيونية منذ بدايات القرن الثامن عشر، مباشرة أو بطرق لولبية قام بها قناصل الدول الأجنبية ورعاياها والوسطاء والرعايا اليهود العثمانيين كما شملت الدور الذي لعبته العائلات الإقطاعية والغنية في المدن العربية في إنجاز ذلك.
وقد اعتمدت عشرات المراجع الصهيونية، إضافة إلى المصادر العربية المتعددة مع ملاحظة التضارب والتشويش في إيراد الأرقام فيها، وقواعد البيانات المعتمدة حيث شملت المساحات، الأرض الموات، أو الأراضي الأميرية التي تضم إلى المستوطنة، بعد استصلاحها وفلاحتها بحسب أنظمة وقوانين الأراضي المعمول بها منذ العام 1869.
أعطت نتائج التحليل الأرقام بحسب الفئات التي قامت بعمليات البيع:
1- الملاكون الكبار في مدن القدس وحيفا ويافا وبيروت ودمشق والإسكندرية: /170/ ألف دونم.
2- البيوع التي تمت عن طريق المزاد بالنسبة لأراضٍ عجز ملاكوها الفلاحون عن دفع الضرائب والرسوم: /12/ ألف دونم.
3- البيوع التي تمت عن طريق أجانب أو وسطاء وسماسرة بطرق لولبية: /9/ ألاف دونم.
4- البيوع التي تمت عن طريق الفلاحين مباشرة أو بالوساطة: /25/ ألف دونم.
5- بيوع عرب بئر السبع والجليل وغزة /10/ آلاف دونم.
6- الأرض الموات أو الأميرية والمستولى عليها بحسب أنظمة الأرض وقوانينها: /108/ آلف دونم.
الإجمالي ثلاثماية وأربعون ألف دونم – لكافة الأراضي المبيعة والمستولى عليها حتى عام /1904/.
يتضح من النتائج أن البيوع التي تنسب إلى الفلاحين تمثل 7% من إجمالي البيوع الفعلية، وهذه النتيجة مقاربة لما خلص إليه روحي ياسين الخالدي المتوفى عام /1913/، نقلاً عن المصادر الصهيونية في "أنهم لم يشتروا من الفلاحين إلا مقداراً جزئياً يقرب من سبعة ونصف في المائة من مجموع الأراضي المبيعة"22.
يتضح من النتائج أن المعلومات التي أدعى جان داية الكشف عنها من كتاب العازوري ومقالاته ومفادها:
"في العام /1903/ ألزم الوالي فلاحي جهة اليهودية وياسور وبيت دفان بأن يبيعوا أراضيهم للمستعمرين السييونيت الصهاينة.. وسط شركاءه في استمالة عرب بئر سبع إلى بيع أراضيهم ومساحتها مائة ألف دونم – وتعهدوا بأن يقنعوا فلاحي غزة ببيع مائة ألف دونم – حتى أن تلك الشركات الصهيونية أصبحت تمتلك نصف أحسن الأراضي أقضية يافا وثلاثة أرباع أراضي حيفا وصفد وطبريا إضافة إلى أراضي مرجعيون وما ينيف على عشر ضيعات من الضياع الكبيرة في جهات حوران".
وبالحساب تبين أن هذه المساحات تزيد عن مائتي ألف دونم.. إن هذه المعلومات لا تستند على أساس، والقصد منها التشهير والإساءة. وتحميل الفلسطينيين والفلاحين منهم خاصة تهمة طالما روجت لها الدعاية الغربية والصهيونية منذ مطلع هذا القرن-.
ويكفي للرد على العازوري وجان داية:
ما جاء في محاضرة للدكتور يتسحاق ابشتاين أحد المدرسين في المستوطنات اليهودية في فلسطين في محاضرة له أمام مندوبي المؤتمر الصهيوني السابع (1905).
"لقد حان الوقت لاقتلاع الرأي الخاطئ الذي انتشر بين الصهيونيين بأن أرض – إسرائيل- أرض غير مفلوحة بسبب نقص في الأيدي العاملة أو كسل السكان، ليست هناك حقوق مقفرة بل على العكس يحاول كل فلاح أن يضيف إلى أرضه من أرض البور المجاورة لها..
وعندما نشتري قطعة أرض كهذه نبعد عنها مزارعيها السابقين تماماً...
ولا يزال حتى اليوم يرن في اذني نحيب النساء العربيات، عندما تركت عائلاتهن قرية الجاعونة وهي رو شبينا، واتنقلت للسكن في حوران شرقي الأردن فقد ركب الرجال على الحمير ومشت النساء وراءهم باكيات يملأ السهل نحيبهن وللحظات وقفوا وقبلوا الحجارة والتراب.
إن شراء (أراضيهم) على هذا الشكل يترك في قلوبهم جرحاً لا يندمل وفي النهاية سيعملون على استرجاع ما سلبته منهم قوة الذهب"23.
جاء في مقال بيان نويهض الحوت في بيان طرق الاستيلاء على أراضي العرب.."
كانت في استعمال القوة وإخلاء الأرض بواسطة الجند والسلاح وأبرز مثل على ذلك وهو يتكرر كل يوم بأشكال ومساحات مختلفة منذ أكثر من /100/ سنة: كارثة وادي الحوارث وهو الوادي الذي أطلقت عليه جريدة "الجامعة الإسلامية" "وادي الكوارث" وكانت مساحة الأرض لا تقل عن خمسين ألف دونم من الأرض الساحلية في قضاء طول كرم وكانت من أملاك عائلة لبنانية ثم فرنسية وانتهى أمر هذه الأرض إثر دعوى رهنية عليها بعرضها في مزاد علني، ورسا المزاد على اليهود، وكان دور الحكومة البريطانية إرسال 16 شاحنة عسكرية 15/5/1923. وإجبار المزار عين العرب على ترك أراضيهم وتكررت المأساة مع عرب الزيادنة وأهالي قرية شطا في بيسان وغيرهم"24.
6
الوجه الآخر لنجيب عازوري
"تلقى نجيب عازوري علومه في مدرسة الفرير الفرنسية بيروت، ثم حصل على درجة الدراسات في العلوم السياسية وتكشف أفكاره نشأة فرنسية، وبمساندة الأخوين "ملحمة" عضوي "مجلس المبعوثان" وبمساعدة البطريرك الماروني الحويك، حصل على وظيفة مساعد متصرف القدس ما بين 1898-1904 " 25.
بتراجع دور المؤسسات الصهيونية ذات الرعاية الفرنسية "روتشيلد، الأليانس، ..." وتزايد نفوذ المؤسسات الصهيونية ذات المنشأ الروسي والرعاية البريطانية. اهتز وضع عازوري في منصبه كمساعد للمتصرف. وهذا اضطره عام 1904 إلى ترك منصبه والذهاب إلى باريس "حيث بدأ نشاطه العام بمؤتمر وإصدار بيان وكتابه "يقظة العرب" بالفرنسية ، ومجلة استقلال العرب بمساعدة بعض الكتاب الفرنسيين: لا تلية وهنري سيمون وأوجين يونغ – الموظف السابق في وزارة المستعمرات الفرنسية" 26.
بعد إعلان الدستور العثماني 1908 وعزل السلطان عبد الحميد 1909- قرر العازوري العودة إلى فلسطين لخوض الانتخابات لمجلس المبعوثان- إلا أن السلطات حكمت عليه بالإعدام لأنه قام بنشاطات تمس أمن الدولة، فهرب إلى القاهرة- حيث أن رياح التغيير في المنطقة باتجاه بريطانيا- وقد مارس نشاطه الجديد بالرعاية البريطانية مديراً لجريدة "يومية مصر" "واسس محفلاً ماسونياً " 27 "انتشرت فروعه في جميع الأقطار العربية، وبقي في مصر حتى توفي عام 1916" 28.
أفكار العازوري في الطور الفرنسي 1904-1909
"تمتلك فرنسا حقوقاً في سوريا ومعترفاً بها كالتي تمتلكها بريطانيا"29.
"لا يملك أحد الحق في حكمنا غير فرنس..."30.
أفكار العازوري في الطور البريطاني 1909-1916.
تلخصها الفقرات التي أدعى جان داية الكشف عنها في جريدتي المقطم والإخلاص وهي ترويج رخيص للادعاءات الغربية والصهيونية.
تصف الدكتورة زاهية قدورة الوجه الآخر لنجيب عازوري بقولها "هو شخصية لبنانية ولبنانية مارونية آمن بالقومية العربية ودعا إليها، وإن كان إيمانه بها إيماناً منطلقاً من فكرة القوميات التي كانت سائدة في ذلك لاعصر والتي ساعدت على ترويجها بعض الدول الكبرى لمآرب أخرى" 31.
أخيراً نستخلص من الدراسة:
عدم الموضوعية في بحث "جان داية" بما تضمنته من تهم وتجن على الشعب الذي يسجل بانتفاضاته وثوراته المتلاحقة أنه يعانق الموت مثلما يمارس حياته، مقاوماً حتى تحرير كامل تراب أرضه العربية فلسطين.
رياض زيد
باحث من فلسطين – سورية
المراجع
1- الدكتور عبد الرحمن البيطار – الأسبوع العربي العدد 699 تاريخ 4/3/2000.
2- الدكتور جعفر هادي حسن – مجلة العربي العدد 505 ديسمبر 2000.
3- الدكتور علي أبو الحسن: دور بريطانيا في تهويد فلسطين أقذر دور في التاريخ ص58 .
4- حبيب قهوجي: استراتيجية الاستيطان الصهيوني ص54.
5- يسار عسكري: قصة مدينة صفد ص 59.
6- الدكتور علي أبو الحسن: المرجع السابق ص 135.
7- الدكتور خيرية قاسمية: النشاط الصهيوني في الشرق العربي وصداه ص32-33.
الدكتور علي أبو الحسن : المرجع السابق ص 130.
8- الدكتورة خيرية قاسمية: المرجع السابق ص34.
9- الدكتورة خيرية قاسمية: المرجع السابق ص46.
10- الدكتورة علي أبو الحسن: المرجع السابق ص135.
11- جان داية: العربي العدد 504 نوفمبر 2000 ص30.
12- نجيب عازوري: يقظة الأمة العربية ص 59.
13- جان داية: المرجع السابق ص 32.
14- فكتوريا والتز- يواخيم شيشا . ترجمة: لقد اغتصبتمونا أرضنا ص 37.
15- وليد الخالدي: جريدة الحياة: الصهيونية في 100 عام 12612 تاريخ – 10/9/1997.
16- فكتوريا والتز- يواخيم شيشا: المرجع السابق ص42.
17- صابر موسى – (موقف الدولة العثمانية) مجلة شؤون فلسطينية العدد 95/1979/84.
18- 19-20- صابر موسى. المرجع السابق . ص 82-86.
19- وليد الخالدي – جريدة الحياة- العدد 12608 تاريخ 6/9/1997.
20- روحي ياسين الخالدي – وثيقة تاريخية جريدة الحياة العدد 12607 تاريخ 5/9/1997.
21- صبري جريس تاريخ الصهيونية 1862-1948 ص139- ص140.
22- بيان نويهض الحوت – هؤلاء الآباء ما باعوا أراضيهم- جريدة الحياة العدد 12524 تاريخ 14/6/1997.
23- الدكتور عبد الرحمن البيطار: المرجع السابق.
24- نجيب عازوري يقظة العرب المقدمة ص18.
25- نجيب عازوري – يقظة العرب- ص 110.
26- نجيب عازوري يقظة العرب ص 133.
27- الدكتورة زاهية قدورة – مقدمة "يقظة العرب" لنجيب عازوري ص30.
رياض زيد
15/1/2001