دراسة في :تصور وتأمل

الفن الإسلامي

 

 

مقدمة

                 لقرون عديدة كان ينظر إلى الآثار والفنون الإسلامية على أنها إنجازات فنية أبدعت في حقبة من التاريخ الإنساني، ولكن بعد قيام البحاثة والمتشرقين بدراساتهم الحديثة على الفنون الإسلامية مطبقين عليها القواعد العلمية، بدأت تظهر للعالم على أنها إنجاز حضاري مميز متكامل، وصورة أصلية لأمة اعتنقت رسالة الإسلام، فأحدث فيها تبدلا جذريا انعكس جليا على السلوك وأنماط الحياة وشؤون الفكر والآداب والعادات والفنون.

تأثير الإسلام وصبغه للحضارات القديمة

              لقد كان من الطبيعي وقد اعتنق أبناء الحضارات القديمة، من بيزنطيه وفارسية وفرعونية وهندية ومغولية...، الإسلام وهو العقيدة الجديدة ونظام الحياة أن تتفاعل هذه الخبرات في إطار مستلزمات وإنجازات الدين الجديد بعد طبعها بطابعه ولونه.

وهكذا استطاع الإسلام خلال بضع سنين فقط أن يحدث تعديلا في أساليب العمار والفن في دار الإسلام على نحو جعل من الميسور رؤية فن ذى جذور إسلامية وأصبح من الصعب فيه التمييز والتفريق والتعرف على الاختلافات الإقليمية في الحضارة الجديدة حتى أن الشخصية الإسلامية بقيت ظاهرة في الفنون والصناعات في الأقطار التي ارتدت عن الإسلام كالأندلس وصقلية وغيرها.

التصور الإسلامي للوجود

               الإسلام تصور كامل شامل رفيع نظيف للوجود، لغاية الوجود كله وغاية الوجود الإنساني، وهو التناسق الجميل بين حركة الإنسان كما يريدها الله، وحركة هذا الكون الذي أبدعه الله، فالوجود أكبر بكثير من ظاهره المشهود، أكثر في حقيقته وأكبر في تعدد جوانبه، والنشأة الإنسانية ممتدة في شعاب هذا المدى المتطاول والموت ليس نهاية الرحلة وإنما هو مرحلة في الطريق في كون حي مأنوس، المدى أمامه ممتد فسيح... والزمن كذلك ممتد، والغاية واضحة، والطريق إلى الهدف الكبير طويل.

وكما تنبت الشجرة الباسقة وتضرب بجذورها في الأرض وتتطاول فروعها وتتشابك في السماء كذلك ينبت الإسلام ببطء وهنية وطمأنينة...

إنه المنهج الإلهي في الوجود كله.

وهذا التصور الإسلامي للوجود ينعكس جلياً في المفاهيم الأساسية للفن الإسلامي.

أولاً- النقطة: تمثل البداية والوحدة ، في عالم كبير عرضه السموات والأرض.

ثانياً- الخط: الحركة الأولى للنقطة، صور به الفنان المسلم خطواته الأولى في بداية رحلته.

ثالثاً- الامتداد والعمق: تتالي الخطوط مستقيمة ومنحنية، وعبر الأشكال والدوائر والقطوع المستويه بامتداد لا متناه متجهة إلى العمق (حس المؤمن الجديد) في مسيرة تعتبرها الرياضيات البحته، حركة العنصر التفاضلي المتناهي في الصغر، في نظام رياضي دقيق. مكرر أو معقد... في سعيه نحو اللامتناهي في الكبر هذا كله: عند الفنان المسلم... ترجمة لاحساساته وتأملاته .

شاهده العالم بالأمس، ويٌشاهد اليوم جليا على المشآت الإسلامية المعمارية... من مساجد ومدارس وقصور وقلاع ومدافن .

رابعاً- الشجرة: الشجرة بجذورها وفروعها الضاربة، والممتدة (الصورة القرآنية للاسلام) أضحت مورقات انسيابيه وأشكال زهريه على هيئة غصون الشجر.... غطى بها الفنان المسلم مسطحاته المعمارية ومستلزماته من بسط ومخطوطات وغيرها.

خامساً- اللون: كان تعبيرا عن غبطة روحية، استمتع بها الفنانون الخشع في سماء- تأملاتهم ... وهم تحت تأثير الاحساس الغامر المؤمن... بالامتداد والعمق[1].

تلك هي ملامح وأضواء على ذاتية الفن الإسلامي ومفاهيمه الأساسية ولننتقل الآن إلى دراسة عناصره وعبر عصور الإسلام المديده.

أولاً-: عمارة المساجد

نتحدث أولا عن الكعبة في مكة المكرمة، موقع فريد ورمز للتجمع واتجاه، فهي كالنقطة في الوجود الكبير. ومركز للعالم المحسوس وقبلة له، وذلك سر بساطتها المتناهية لأنها الصورة المحسوسة للرمز في تصور إسلامي كامل للوجود.

ثم المسجد: طابع فريد، مميز ببهو الأعمدة... التعبير المعماري الجديد، عن طريق تشكيل وتنظيم العناصر التركيبية والإنشائية التي وجٌدت في العمائر القديمة....

على هدى من المعاني والجذور الإسلامية لتحقيق الغايات التي من أجلها بني المسجد في الإسلام.

الأعمدة: وسيلة للارتكاز، وليست غاية.... لإحداث الشعور بالرهبة.

لذلك فالأعمدة الثقيلة الضخمة المتراصة التي اكتظت بها معابد الكرنك الفرعونية والاكروبول في أثينا وغيرها.... تطورت لدى المسلمين إلى حوامل رشيقة تتميز بخفة لا يشوبها ضعف... وبجمال وإنسجام متناهيين.

الأروقة: ممتدة متوازية مع جدار القبلة.... والأعمدة صفوف لمراعاة نظام الصفوف في الصلاة... والقبلة واحدة.... كل ذلك يرمز لوحدة الاتجاه، ووحدة المسلمين....

ولم تكن توجد منشآت معمارية لها أروقة ذات أعمدة... تشبه ما أنشأه المسلمون – لذلك تعتبر ابتكارا إسلامياً خالصاً، وقد أدى هذا التصميم أغراضاً عديده...

فبساطة الشكل تعبير عن نظرة الإسلام الأساسية في أن الإنسان لابد له أن يعبد الله عبادة مباشرة... دون توسط... أو أسرار غامضة..

ومرونة التصميم... تمكن المسلمين دوما من إمكانية تعديل مساحة المسجد توسيعا... بما يتفق وحاجتهم...

وهذه الظاهرة المعمارية لم تكن ملحوظة في العمائر السابقة أو المعاصرة.

المحراب: يعبر رمزيا وشعائرياعن وحدة الغيادة في المسجد، في توجه كلي للكعبة الشريفة.... صاغه المسلمون بدائع وزخارف وفيسفاء تنقل المسلم إلى عوالم روحية بعيدة.....

القبة: ويظل المسجد سقف، تلتقي خطوطه برفق وانسجام بالقبة... حس المؤمن بالعمق والامتداد...

لقد استخدم الفرس والبيزنطيون القباب... لكنها بوحدتها وعدم استعمال- الحركة فيها، تشعرك بالجمود... ولكنها بيد الفنانين المسلمين، أصبحت مبعث تفنن وابتكار، فأكثروا من تنويع أشكالها من كروية ومخروطية وتمكنوا بتعديد مراكز استدارتها وتغير أوضاع وأبعاد محاورها والباسها أثوابا مزركشة من الزينة والنقوش والتخطيطات الزخرفية في الداخل والخارج من جعلها طرازا إسلامياً مميزاً.

فالقبب ذات المقرنصات المنثورة هنا وهناك في أرحاء العالم الإسلامي تسرى بالإنسان عبر السماوات!... فالضوء الخارجي عندما يتحرك حول قاعدة القبة... وعبر نوافذها بزجاجها الملون البديع، فإن سقفها البالغ التزيين يضاء بصورة مستمرة مباشرة... بأشكال تختلف بين لحظة وأخرى، ولا يأخذ قط صورة واحدة مع أنه ثابت في مكانه، مثله مثل السماوات.

المئذنه: كان المسلمون أول من بناها وتفنن بها وتتميز عن غيرها برشاقتها الخلابة متجهة بامتداد وعمق نحو السماء وعلى هذه الأنماط بنيت أكثر لامساجد في المشرق والمغرب. المسجد الأموي بدمشق – المسجد الأقصى بالقدس وجامعا الكوفة والبصرة في العراق وجامع القبروان في تونس.. وجامعا عمرو في الفسطاط بمصر وجامع الزيتونة بتونس ومسجد سيدى عقبة بالقيروان والجامع الأموي بقرطبة وغيرها.

وتتضح فيها الشخصية المستقلة للعمارة الإسلامية في المساجد، شخصية استطاعت الجماعات الإسلامية خلالها، وعبر عصور التاريخ وحتى يومنا هذا... من المحافظة على شخصيتها الذاتية.

ثانيا- القصور

هي نماذج للقصر الصحراوي أو المعكسر الإسلامي في شكل من القلاع القديمة لكن بالطبعة الإسلامية بعناصرها الجديدة:

السور، والمصلى بمحرابه تعلوه القبه، والمئذنة المتعالية الشامخة ومجموعات الحجرات السكنية... وبيت الإمارة... والمدفن... والقصور الإسلامية بهذه العناصر تملأ أرجاء العالم الإسلامي... قصور المشتى وعمرة على أطراف البادية السورية والمفجر قرب البحر الميت والخير الغربي والشرقي والرصافة (في الشمال الشرقي لدمشق) والمية (قرب بحيرة طبريا) وقصر عبد الرحمن الثالث بالأندلس... وصوصه في تونس... وقد تجلت في هذه القصور فنون إسلامية بصورها المختلفة فالأعمدة قصيرة رقيقة والسقوف اليفة... والأورقة بسيطة يحس الإنسان بمشاعر الراحة والانس... والطمأنينة، وهناك قصر الحمراء بالاندلس المعجزة المعمارية الإسلامية فمن نافورة بهو السباع إلى القباب الرائعة ذات المقرنصات القائمة على أعمدة، ودعامات دقيقة نحيلة، وزخارف بديعة تبعث في المتأمل احسساسا بأنه أزاء فردوس ينتمي إلى عالم ينفصل عن عالمنا المحسوس.

ثالثاً- مباني القبور والاضرحة

بالرغم من إهمال الإسلام لهذه الإنشاءات إلا أن رغبة بعض الولاة والحكام المسلمين بتخليد ذكراهم وذكرى أسلافهم محبة أو رهبة، وطغيان ذلك، أدى إلى ظهور مثل هذه المنشآت في ديار المسلمين المختلفة.

وقد امتلأت سطوحها وقببها بمشاهد الآيات القرآنية، والزخارف الإسلامية ولعل إبداع منشآة... وربما في كل العصور بالنسبة لهذه المباني... هي منشأة تاج محل قرب أكرا وقد شيدها شاه جيهان تخليدا لذكرى زوجته الشابه.

 

رابعاً- السجاد

كان السجاد في القرون الماضية للاسلام وقفا على القبائل التركمانية الرحل تصنعه في السهوب وتستخدمه للوقاية من متاعب الشتاء.... كما عرف عند الفرس في أزمان بعيدة.

وقد أدخله السلاجقة المسلمون في أنحاء الدولة الواسعة في تغطية أرض المساجد والقصور.

وتتميز زخارفه بالنماذج الهندسية أو المشجرات الورقية... مزينة بالخط- الكوفي. مما يعبر عن الفن الإسلامي أصدق تعبير وقد تطورت صناعته تطورا- بالغا... جنبا إلى جنب مع صناعة الأنسجة... لجهة الدقة في الصنعة وجودة الخيط... إلى الزخارف المبتكرة البديعة... محافظة على طابعها الإسلامي وهي حتى الآن تعتبر طرازا إسلاميا أصيلا... يقلد حتى في المصانع الأوربية الحديثة.

خامساً- المدرسة والجامع

فن معماري إسلامي على شكل مدرسة للعلماء مهمتها الوحيدة نشر تعاليم الإسلام يتميز التصميم بريط المدرسة بقبر بانيها وهي على شكلين.. الأولى؟: ذات أيوان يسبقه رواق والثانية: قاعة يعلوها قبة.

أنشأت هذه المدارس في نيسابور وطوس وبغداد وإيران واهتم آل زنكي بانشأئها في الموصل وسوريا... ونقلها صلاح الدين إلى مصر وقد تميزت هذه المدارس والجوامع بما تميزت به المساجد من زخارف فنية إسلامية تتناسب والأغراض المنشأة من أجلها فكثرت فيها الخطوط والكتابات القرآنية تملأ رحابها الواسعة بصور محببه.

سادساً- الزخرفة بالحروف العربية

الحروف العربية هي أداة التعبير عن القرآن... تكريم علوى جليل للإنسان بالحرف العربي الجليل...

فلا غرو أنه يثير في النفس أصدق مشاعر الغبطة والتوقير والإجلال.

والفن الإسلامي بعد ذلك كله:

نجح في أن يجعل الناس ينظرون إليه متأملين شاردين وكأنهم تحت تأثير روحانية ربانية... سواء في داخل دار الإسلام أو خارجها...

وهذه قدرة تعطي الفن الإسلامي طابعه الفريد.

 

 

 

مصادر البحث:

في ظلال القرآن: سيد قطب

سقوط الحضارة الغربية: شبلنجر

النماذج الإسلامية: كيث كريتشلو

تراث الإسلام: رتشارد اتنجهان وزن

الفن الإسلامي: ارنسنت كونل              


 

[1] - لم يكن الفنانون المسلمون متكسبين بل متأملين وعابدين... فقد روى أنه لما أقام عبد الملك بن مروان مسجد الصخرة بالقدس وبقي من المبالغ المخصصة لبنائها مائة ألف دينار أمر بها جائزة للرجلين المشرفين على البناء. ولكنهما رفضا قائلين: نحن أولى أن نزيده من حلي نسائنا... فضلا عن أموالنا... فاصرفها في أحسب الأشياء إليك.

فأمر عبد الملك بن مروان بأن تسبك ذهبا... وتفرغ على القبة والأبواب...