بدعوة من الجمعية التاريخية بحمص
محاضرة المهندس رياض زيد
بعنوان :
أسوار القدس وأبوابها
الساعة السادسة مساء يوم الإثنين : 27/11/2006
إن الحديثَ عن أسوارِ القدس وأبوابها، محاولةٌ لرصدِ متغيرات العلاقةِ بين المكان والهويةِ لهذه المدينة، التي تفردت منذ القديم بمزية أعطتها الاحترام والقداسة ،فالناظر إلى مرتفعات القدس من غور الأردنُ أريحا والبحر الميت"يتشرف موقعاً جليلاً مهيباً .
برز موقع القدس، كأحد أبرز المعابر الرئيسية للتواصل البشري في حقب التاريخ القديم. وكأحد أغنى المناطق التي تنتج المحاصيل الاقتصادية في محيطٍ أخذ يتجه إلى التصحر.
وإذا ما أخذنا هذه العوامل بمحصلتها أدركنا أبعاد الصراع بين الدول والإمبراطوريات المحيطة، للسيطرة على القدس، وأدركنا كم عانت شعوب المنطقة الأصلية من اضطهاد وعذابات.
فالقدس نتيجة ذلك. تمنح مزاياها للوافدين عليها، وتضفي الشرعية على السلطة وبالمقابل فإن السلطة تمنح القدس هويتها المكانية والحضارية أو تدمرها بوحشية.
فعلى مدار تاريخ القدس، كان الحكام الجدد، بعد تهديمهم لأسوارها وأبوابها، يعيدون تشكيل وجهها المعماري المكاني، ليعبر عن مكانية حضارية جديدة، أويبقون عليها تقديراً لمن سبقهم بالإنجاز أو يدمرون وحسب.
الأسوار الأولى
دلت التقنيات الأثرية على بداية استقرار بشري، منذ مطلع الألف الثالث قبل الميلاد، هذا الاستقرار أعطى هوية مبكرة لهذه المنطقة. وهذه الهوية لا تتعارض في لهجتها ولغتها ونمط استقرارها كمّا ساد أرجاء الفناء الجغرافي العربي الجامع من لهجات ولغات وأنماط استقرار أقام اليوسيون على المنحدر الجنوبي الشرقي. المدينة القدس القديمة الحالية، مصاطب متدرجة من أحجار ضخمة، لبناء بيوتهم المبعثرة دون انتظام.
هذه البيوت أحيطت بسور غير مستقر، كان السور الأول لمدينة القدس.وموقع السور كما حدده علماء الآثار هو : تل الظهور (أوفل).
اقترحت المنقبة الآثارية كاثلين كينون. بعد قياتها بأعمال التنقيب خلال الفترة الواقعة ما بين 1961-1967وبعد اطلاعها على نتائج التنقيبات خلال قرن كامل. مخططاً لأسوار المدينة.
فمن جهة الشرق ينخفض سورها باتجاه وادي قدرون بينما يقطع سورها الشمالي المرتفعات على بعد 300م إلى الجنوب من السور الحالي لمدينة القدس القديمة، واتجهت الأسوار الباقية، لتساير خطوط المناسيب للأرض الطبيعية.
لم تتعرض مرتفعات القدس للاحتياجات التي طبعت المنطقة فيما بعد. والمدينة اليبوسية الكنعانية. نعمت بالاستقرار لقرون مديدة.
ولم تعط التنقيبات أية آثار تعود إلى أسوار أو مبان أو معابد ترتبط برباط ما، بتاريخ إسرائيل المدّعى خلال تلك الفترة.
وفي هذا الشأن يقول الدكتور سهيل زكار.
القدس مدينة مزدهرة عامرة في التاريخ الذي قيل إنها تعرضت فيه للخراب على أيدي جيوش نبوخد نصر
لكن خلال اجتياح قورش الفارسي لبلاد الشام ومصر عام 538ق.م ، أسكن في مرتفعات القدس حاميات عسكرية من يهود بابل وفارس.
أطلق الفرس على هذه المنطقة، في تنظيمهم الإداري لبلاد الشام اسم المنطقة اليهودية، وما تزال هذه القضية قيد البحث وبحاجة إلى المزيد من التعمق لكن من المؤكد أن التنقيبات لم تشر إلى وجود يهودي يسبق هذه الفترة الفارسية.
الإشارة اليهودية الوحيدة وُجدت على الجدار الفخارية التي كانت تملأ زيتاً أو خمراً، وتنقل إلى فارس ضمن المغانم والأسلاب –حيث كانت تختم بخاتم المنطقة الإدارية.
أسوار القدس في العهود الفارسية واليونانية والرومانية
انتهى الاجتياح الفارسي ودخلت المنطقة عهد الحكم اليوناني على 332ق.م. تتوسع القدس نتيجة التواجد الاستيطاني الكثيف من يهود ويونان ويحافظ الكنعانيون على سكنهم في الجنوب.
يُعاد بناء الأسوار وفق تخطيط يضم المدينة الجديدة بتوسعها غرباً وشمالاً وتتوقف عند الناشر الصخري الذي يحدد قلعة القدس الحالية قرب باب يافا- الخليل.
لم يكتب لأسوار الحكم اليوناني الاستمرار طويلاً لأن اليونان كانوا يُعنون بثقافتهم أكثر من عنايتهم بأسوار مدنهم.
تطل شمس روما على العالم القديم، وتشكل هويته المكانية الجديدة ، هوية تفرض نفسها بقوة وصرامة من خلال السيف والحجر.
يعين هيرود حاكماً للمنطقة عام 37ق.م فيتخذ من القدس عاصمة له. اتجه بالمدينة شمالاً حتى جبل موريا وامتداداً حتى موقع باب السامرة اليوم ( جبل برتيا) .
اتجه بالمدينة غرباً حتى جبل أكرا ( الذي بنيت عليه كنيسة القيامة فيما بعد) والتلة الغربية المسماة اليوم بجبل صهيون ( قلعة القدس الحالية .)
أحاط المدينة الجديدة التي ضمت أربعة مرتفعات( موريا- بيزيتا –أكرا - صهيون) بأسوار ضخمة ، هي الأساس لأسوار القدس التي أعيد ترميمها وتعديلها في عهد هادريان سنة132 ميلادية وهي المحددة لأسوار المدينة القديمة للقدس الحالية.
شيدّ هيرود معبداً له على قاعدة حجرية ضخمة، هي كصندوق هائل مغلق، وذلك بتطويع طوبغرافية جبل موريا . أقام سوراً ضخماً في الجنوب بطول 280 متراً من الأحجار الهائلة بارتفاع تجاوز الأربعين متراً ليحاذي الحافة الصخرية للجبل.
وجرى إغلاق الفراغ الحجمي المتشكل بالدعامات الحجرية الضخمة والعقود والأروقة وخزانات المياه.
وهكذا تشكلت المنصة الهيرودية لإقامة المعبد الروماني وهي منصة الحرم الشريف فيما بعد.
توسعت في شرح هذه المرحلة لأهميتها. حيث أن كل الادعاءات الصهيونية هي محاولة لمصادرة الطوبغرافية الهيرودية الرومانية التي تشكلها الأسوار والمنصة التي أقامها هيرود، وإيهام العالم أنها تعود إلى عهود سحيقة، عبر الصياغة للطوبغرافية وعبر الخطاب الغربي الاستشراقي.
العهد البيزنطي المسيحي
لم تعدل بيزنطة المسيحية من أسوار المدينة الرومانية الوثنية فقد أبقتها على حالها، فالمعالم المسيحية الضخمة التي بناها قسطنطين عام 325 ميلادية، وأبرزها كنيسة القيامة طبعت المدينة بهالة من النورانية الإيمانية، وهكذا أعيد تشكيل الطابع المعماري للقدس لتبليغ رسائل ذات دلالة على سلطة المقدس وسلطة الدولة البيزنطية.
وعلى ا لصعيد الديني، أعلنت القدس مدينة أرضية للمسيح وأعلن خلاصها الأبدي من اليهودية.
وخريطة مادبا التي اكتشفت في أرض كنيسة مادبا والتي تعود إلى مابين 578-608 ميلادية توضح المعالم المسيحية إلى جانب أسوار المدينة بأبوابها.
الأسوار في العهد العربي الإسلامي
يؤسس عمر لمسجد بسيط في الطرف الجنوبي للمنصة الهيرودية، فأبقى على الأسوار الرومانية والبيزنطية. ولم يتجه إلى بناء أبنية تنافس العمارات البيزنطية المسيحية.
إنما اتجه في هذه المرحلة إلى إعلان رسالة تضميناتها الدينية والسياسية، ربط القدس بمكة، وإعلان المنصة الهيرودية مسجداً. هي رسالة ذات دلالة على سلطة المقدس لديه واقتران القدس بمنح الشرعية لسلطته.
آل الأمر إلى بني أمية في دمشق، بعد الخلافة الراشدة. وتتجه أنظار بني أمية لدمشق، وتوطيد سلطتهم، فهي تمنح الشرعية للسلطة.
قام عبد الملك بن مروان وابنه الوليد ما بين 692-702 ميلادية، بإعادة بناء أسوار المدينة التي هدمتها الزلازل. كما أصلحا ما انهدم من المنصة الهيرودية فتكتمل المنصة من جديد، تحت عنوان جديد باسم "الحرم القدسي الشريف".
تنتصب أسوار الحرم الشريف الجديدة ببواباتها، وترتفع مباني المسجد الأقصى وقبة الصخرة والقصور الأموية الستة التي اكتشفت، جنوب سور المنصة الهيرودية.
تمتزج ألوان الحجر الوردي لمباني المعالم المسيحية باللون الذهبي لقبة الصخرة في جمال لا تخطئه عين ، وتكامل ينطق بحس تناسق التصميم والتوظيف المدهش للألوان.
يأتي زلزال عام 747 ميلادية خلال العهد العباسي، ليهدم أسوار القدس وأبنية المسجد الأقصى، لكن العهد العباسي لم يوُلوا القدس وأبنية المسجد الأقصى على أولويتهم فقد اقتصر الاهتمام على إعادة بناء المسجد الأقصى وبعض المباني المحيطة به.
تابع صلاح الدين بعد تحريره القدس ومن بعده الظاهربيبرس والملك الناصر محمد بن قلاوون من المماليك بناء ما تهدم من الأسوار ما بين 1187-1320 ميلادية، وبناء أبنية الحرم الشريف.
لكن رسالة التضمينات السياسية للقدس يطلفها من جديد السلطان العثماني سليمان القانوني.
أعاد بناء أسوار المدينة، وأسوار الحرم الشريف وترميم وإصلاح المباني المهدمة.
لقد قدم سليمان القانوني الدلالة على سلطة المقدس لديه لترد القدس عليه بمنحه تقديرها. لقد بقيت أعمال هذا السلطان شاهدة على عروبة القدس حتى مطلع هذا القرن.
أبواب القدس
وأبواب القدس الحالية سبعة، ولكل باب قصة.
أولاً: باب العمود: يقع في منتصف السور الشمالي للمدينة، يرتكز على دعامين هائلين من الحجارة القديمة المنحوتة نحتاً جميلاً، يعلو ثلاث طبقات من الأبواب خلال عهود هيرود وهادريان والفرنجة.
دُعي بباب العمود حيث كان يطل في عهدها هارديان على عمود يعلوه تمثال له، استبدل بصليب في العهد البيزنطي.
ورد اسم الباب بأسماء مختلفة: نابلس – قيصرية – دمشق.
ثانياً: الباب الجديد: يقع إلى الغرب من باب العمود، وبينهما ألفان متر تقريباً وقصة هذا الباب تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما تسابقت الدول الاستعمارية إلى نيل الامتيازات لدى الدولة العثمانية فيما يتعلق بالقدس وإدعاء حماية الأقليات الدينية.
منح السلطان عبد الحميد الإمبراطور الألماني غليوم الثاني امتيازاً لم يُمنح لأحد، هدم جزءً من السور ليدخل منه الامبرطور.
ثالثاً: باب الخليل – يافا:
يقع في منتصف السور الغربي، على الزاوية الشمالية لقلعة القدس.
شهد دخول الجنرال اللنبي القدس- وقد شهد أحداثاً كثيرة حيث هو الصلة ما بين الساحل الفلسطيني والقدس، والقدس الغربية المحتلة والقدس الشرقية.
رابعاً: باب النبي داود: يقع على الطرف الغربي من السور الجنوبي وعلى الزاوية الجنوبية لقلعة القدس ويسمى بباب صهيون.
خامساً: باب المغاربة : ويقع على الطرف الشرقي من السور الجنوبي ويؤدي إلى باب المغاربة في الجدار الجنوبي الغربي للحرم القدسي الشريف (حائط البراق).
ويوم كانت الأمة تستجيب لصرخة " وامعتصماه " لبى المغاربة نداء الجهاد الذي أطلقه صلاح الدين فأسكنهم المنطقة التي تلي حائط البراق وأطلق على الحي: حي المغاربة، وهو الحي الذي أزاله الإسرائيليون عشية دخولهم القدس في الخامس من حزيران عام 1967، لتوسيع ساحة حائط المبكى المدّعى.
سادساً: باب القديس استيفان "الأسباط"
الباب الحالي بناه الظاهر ببيرس تخليداً لانتصاراته على المغول والفرنجة وهو الباب الوحيد الذي أبقى عليه السلطان سليمان القانوني لجماله، وتقديراً لبانيه.
يرتبط بهذا الباب أحداث جسام:
سمي الباب باسم باب استيفان . واستيفان هو من المؤمنين بالسيد المسيح، ولما لم يتمكن اليهود من مقاومة قوة الحكمة لديه اخترعوا ضده شكايات زور: اقتيد خارج هذا المكان ورُحم حتى الموت.
وقد شهد هذا الباب الاقتحام الإسرائيلي للقدس عشية الخامس من حزيران ، إذ دخلته الآليات الإسرائيلية المنطلقة من فندق الكونتينتال لتبسط احتلالها على المدينة دون إطلاق أية رصاصة في وجهها.
الباب السابع: باب الساهرة – هيرود
يقع على الجانب الشمالي من السور، إلى الشرق من باب العمود.
أبواب المسجد الأقصى
وأما أبواب المسجد الأقصى: فكل باب قصة ويطول الشرح وكلها تتحدث عن تاريخ القدس بالدلالات السياسية.
سأعرضها كما يلي:
الجدار الغربي للحرم الشريف:
أبواب الغوانمة ، الناظر، الحديد، القطانين، باب المطهرة، السلسة، المغاربة.
الأبواب الشمالية:
باب الإسباط في أقصى الشرق الشمالي ويقع كذلك ضمن أبواب القدس الشرقية .
باب حطة.
باب الملك فيصل أو باب دمشق، وقد سمي بباب الملك فيصل، عندما كرًم المجلس الإسلامي الأعلى، الملك فيصل الأول ملك العراق عندما حضر للقدس عام 1933، وقدم مساعداته في إصلاح المسجد الأقصى، ومسجد القبة المشرفة.
الأبواب الشرقية:
باب الرحمة – الذهبي.
باب الجبائز.
الأبواب الجنوبية:
الباب المنفرد
الباب المزدوج
الباب الثلاثي
وبعد:
تحدثت مطولا عن الأسوار والأبواب بقي الحديث عما يجري داخل وخارج هذه الأسوار.
زحفت الأحزمة الاستيطانية على الأحياء العربية بشكل موجات وحشية، تتزايد وتتعاظم.
تتلوى الجدران الاستيطانية بين الأحياء كالثعبان تلتهم وتعزل . تخترق الطرق السريعة العريضة والالتفافية والعقد الطرقية ، المدينة من جهاتها الأربع:
يُستولى على الأرض من أجل إنشاء الأبراج العملاقة
تُمنع تراخيص البناء وتفرض الضرائب الباهظة.
يُمنع المقيمون في الخارج للعمل أو الدراسة من العودة لمدينتهم
يُضيق على الحقوق المدنية ويفقد الإنسان كل إحساس بالأمن
يجري كل ذلك وغيره من أجل الاستيلاء على الأرض وإغراقها بالاستيطان
هي وحشية وعدوانية، وسياسات لا تحترم المكان ولا الإنسان
هي عملية تدمير مدينة، تمزيق هوية، طمس تاريخ، قطع علاقة...
لقد استلبت الصهيونية التاريخ العربي في فلسطين والمنطقة العربية بأكملها وهي تحاول اليوم استكمال استلاب الأرض والجغرافية.
لكن القدس التي كانت تمنح السلطة الشرعية
تأبى اليوم أن تقترن بمنح الشرعية للعدوان والاحتلال.