كيف نمنع تهويد القدس؟
تأتي عملية تهويد القدس في أعظم المراحل التاريخية إشكالاً وتعقيداً، حيث يسعى
النظام العولمي الجديد، إلى تحويل زهرة المدائن بهية المساكن، مدينة الروح
والإسراء، إلى أورشليم متروبوليتانية، تكون أحد مراكزه العولمية وعاصمة لمشروعه
الصهيوني، تبتلع ثلث الضفة الغربية وغزة وتحيل ما يتبقى منها من طبيعة وبشر إلى
معازل وأطراف وهوامش خدمية للعاصمة العولمية الجديدة.
التوقيت الذي تجري فيه عملية التهويد يتزامن مع عمليات التجريف والهدم للبنية
التحتية للمدينة والبلدة الفلسطينية التي كانت آخرها رفح، دفع ما يجري على أرض
العراق في مدن الفلوجة والنجف وكربلاء، ويتوافق مع ما يجري الإعداد له، من محاصرةٍ
لسورية، وتهديدها بالمقاطعة والمعاقبة.
هذا الوضع يشكل مأزقاً تاريخياً للعرب، يستدعي منهم، طرح مفهوم للصراع، بعيداً عن
مقولات التطبيع والسلام التي تهاوت وسقطت، هذا لامفهوم للصراع، ليس بجديد على هذه
الأمة، فهو استحقاق يجب على الأفراد والجماعات والدول، على السواء أن يؤدوه، وجهادٌ
يجب أن يعدوا له.
إنه المقاومة التاريخية التي تلجأ إليها كل أمة يهدد وجودها، التفكك والتذرر وقد
اخترت أن أتحدث عن القدس على أنها نموذج لما يهدد الأمة، في أبرز عواصمها وأقدسها
فالتهديد والتهويد، لها سيترك آثاراً وانعكاسات تتجاوز حدودها الجغرافية ولم يكن
هذا التهويد وليد لحظة أو فترة، بل لقد خطط له منذ قرون عديدة، فالقدس وفلسطين كانت
على الدوام هدف المركزية الأوربية في مشروعها لغزو الشرق منذ القرن الحادي عشر
الميلادي، مع بداية نشوء علم الاستكشاف والاستعمار، كمدخل لتفكيكه واحتلال أرضه
والسيطرة على موارده.
لقد كان المشروع الصهيوني، أحد التجليات الكبرى للمشروع الامبريالي الرأسمالي دولةً
واستيطاناً، بدءاً من القرن التاسع عشر وحتى الآن.
وحي موسى مونتفوري عام 1855 كان أول غزو استيطاني، لقلب مدينة القدس يستهدف
تهويدها.
وقد شهدنا خلال العشر سنوات الأخيرة، آخر الحلقات والمتغيرات التي خطط لها أن تكون
إغلاقاً لدائرة التهويد، وكان أبرزها:
أولاً: وضع حجر الأساس لما يسمى بالهيكل الثالث، بتاريخ 29/7/2001 على أرض حي
المغاربة الملاصق للحرم القدسي، الحي الذي أزيل بالجرافات في الأيام الأولى
للاجتياح الصهيوني للقدس عام 1967.
ثانياً: إفال بيت الشرق مع تسعة مرافق ثقافية واجتماعية بتاريخ 9/8/2001، كانت تمثل
آخر سلطة تمثيلية عربية، معترف بها في المدينة المقدسة.
ثالثاً: إعلان الكيان الصهيوني بتاريخ 20/6/2003، البدء بتنفيذ خطةٍ لبناءِ غلاف
القدس، الذي يمثل أخطر مراحل ما يطلق عليه الجدار العازل، في سلسلة إجراءاته
التهويدية لمدينة القدس.
رابعاً: إعلان الرئيس الأمريكي بوش، في خطابه، الأول في جامعة ساوت كارولينا بتاريخ
24 حزيران عام 2002، والثاني في قمة العقبة بتاريخ 5 حزيران عام 2003 عن طموحه بأن
يرى دولة يهودية نابضة بالحياة على أرض فلسطين.
خامساً: دعم الكونغرس الأمريكي بمجلسيه، عبر جلسة مشتركة لهما بتاريخ 23 تشرين
الأول عام 1995 إعلان القدس عاصمة لدولة إسرائيل، وإقرار القانون 104- 45 ، بنقل
السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس .
وبالمقابل:
لقد اختار أهلنا في القدس وفلسطين أن يبقوا برغم دوافع الطرد والقهر وأن يقاوموا
ويصمدوا، برغم محاولات الاحتلال العراقي التي تمارس ضدهم كل يوم بل كل لحظة.
وإن تبدُ الصورة قاتمة وإن كانت التحديات كبيرة فالأمل يشع مع حكايات العناد
والاصدار والعزيمة لهذا الشعب العظيم.
فالتهويد بوصفه فعلاً محتلاً، والممانعة والمقاومة بوصفها فعلاً طبيعياً لصاحب
الأرض والحق هو موضوع البحث الذي سنتناوله ونتحاور فيه، هذه الأمسية.
لقد عملت الإدارات الصهيونية المتعددة خلال الخمس والثلاثين عاماً الماضية، عقب
احتلال القدس عام 1967، على تهويد المدينة بوصفها عاصمة موحدة أبدية، للدولة
المحتلة من جهة ولتحقيق المنطلق الصهيوني للمشروع الإمبريالي العولمي من جهة أخرى،
من خلال ثلاثة محاور:
الحور الأول: اقتصاء المؤسسات المدنية والاجتماعية والثقافية في المدينة وتفكيكها.
واورد مثلاً على ذلك: فقد جمع يعكوف سلمان نائباً والحاكم العسكري للقدس، المجلس
البلدي للقدس في فندق غلوريا، قرأ عليهم الأمر العسكري، بحل المجلس، واعتبار
العاملين فيه، إداريين وفنيين، عمالاً مؤقتين في بلدية القدس العبرية المحتلة.
ولما طلب روحي الخطيب رئيس البلدية، وثيقة مكتوبة، خربش أحد المستشارين الصيغة
المترجمة على محرمة ورقية، عليها شعار فندق غلوريا وسلمت لروحي الخطيب.
المحور الثاني: إقصاء المشهد السكاني والعمراني الغربي عن المدينة.
هدمت الأحياء العربية الملاصقة للحرم الشريف، الشرف – السلسلة، واستكملت معظم القرى
والبلدات، هدمت الأبنية والمواقع ذات الصفة الفنية والمعمارية والأثرية التي ترتبط
بالتاريخ العربي كالمدرسة الأفضلية، ومسجد البراق، والعديد من الأبنية التي تمثل
التراث العربي الأندلسي في حي المغاربة فقد صودرت المدرسة التنكزية وهي من الروائع
المعمارية المملوكية وحولت إلى معسكر للجيش الصهيوني، وجرى تدمير أكثر من ثلاثماية
مبنى، يحمل كل حجرٍ من جدرانها فضة الحضارة العربية.
المحور الثالث: إحضار المستوطنين المحتلين:
أعلن بن غوريون بعد احتلال الجيش الإسرائيلي للقدس، "يجب استقدام يهود إلى القدس
الشرقية بأي ثمن، وينبغي توطين عشرات الآلاف خلال فترة زمنية قصيرة، وسيوافق اليهود
على الاستيطان حتى في أكواخ يجب عدم الانتظار لبناء أحياء منظمة، الجوهر أن يكون
يهود هناك"، ولتحقيق هذا الهدف، صدر قرار عن اللجنة الوزارية لشؤون القدس، حيث حددت
النسبة التي على الدولة الصهيونية تحقيقها، بمعدل 76% مقابل 24% للسكان العرب.
لم تستطيع كل عمليات المصادرة والهدم والاستيطان في كد عزيمة شعبنا وتهجيره من
أرضه، ومغادرة مدينته المقدسة، بل بالعكس، لقد زادت من تصميمه على المقاومة،
والنسبة السكانية التي كان يراد لها أن تنخفض، ارتفعت إلى 35% فانتقلت السلطات
الصهيونية إلى مرحلة تالية من المخططات تستهدف تهويدها.
عرض الوثائق والصور مع الشروح ،يُتابع بعدهاالنص :
أولاً: الأحزمة الاستيطانية:
1- الحزام الشمالي: التلة الفرنسية – شعفاط – راموت- شلومو- راموت .
2- الحزام الجنوبي: تلبيوت الشرقية- هارحوما ( جبل غنيم) – جيلو- هار جيلو
3- حزام أقصى المدينة من الشمال: المطار – المنطقة الصناعية- عطاروت- هارشمويل.
4- حزام شرق المدينة: ألون – كفار أدويم – معاليه أدويم – كدار.
تتركز فيه الصناعات الثقيلة المركزية وصناعة الصلب والحديد، والمباني الجاهزة،
والصناعات العسكرية.
وبتنفيذ هذه الأحزمة الاستيطانية الأربعة، واستقدام المستوطنين إليها، تعادلت نسبة
السكان العرب والمحتلين اليهود، حيث بلغ التعداد السكاني عام 1995، 340000 نسمة
نصفهم من المستوطنين اليهود، وقد حققت الأحزمة الأربعة توسعاً في ابتلاع أرض القرى
المحيطة بالقدس تجاوز مئات الكيلومترات المربعة.
ثانياً: عملية غلاف القدس: وهي ضمن المخطط الصهيوني، لدمج ما تبقى من القدس ومحيطها
من وجود عربي كان وما يزال عصياً على الاستيطان الصهيوني.
1- يمتد الجدار الشمالي من قرية بيتونيا- رافات – كفر عقب- مخيم قلندية – ليعزل
كامل الوجود العربي شمالي القدس الغربية ويحيله إلى سجن مغلق تحيط به المستوطنات
الصهيونية والجدران البيتونية والأسلاك الشائكة، ويحيل كذلك بلدات قلندية –
الجديرة- الجيب- بير بنادر- بيت خينا إلى سجن مغلق داخل دائرة بيتونية مغلقة.
2- يمتد الجدار الشرقي وفقاً لمسارين:
أ- الأول: يعزل ويحاصر مخيم قلندية جبع- حزما- غسانا- مخيم شعفاط- وصولاً إلى
مستوطنة التلة الفرنسية ثم ينحدر إلى تقاطع الطرق السريعة الكبرى المركزي قرب بلدة
الزعيم.
ب- يعزل ويحاصر الوجود العربي في نطاق الحزام الاستيطاني الصناعي الثالث، بدءاً من
قرية جبع محيطاً بالطريق السريع رقم 80 ويتجه جنوباً حتى حدود محافظة بيت لحم.
3- يمتد الجدار الجنوبي وفقاً لمسارين:
أ- الأول: بدءاً من الطريق السريع رقم 80 صاعداً شمالاً إلى بلدة العزيزية ثم ما
يلبث أن يتجه جنوباً حتى قرية أم القيس، حيث يلاقى الطريق رقم 60.
ب- الثاني: بدءاً من الطريق السريع رقم 60 متجهاً إلى الغرب شمال مدينة بيت لحم
وصولاً إلى قرية بيت جالا قرب مستوطنة هار جيلو.
إذاً، فعملية غلاف القدس، تعني إنشاء مجموعة جدران يزيد طولها عن 70كم، تتلوى
كالثعبان داخل الأحياء العربية تفصل بين العامل ومشغله وبين الطالب ومدرسته تمتد
بين البيوت والبيوت، بل ودخلت بعض الجدران داخل البيوت نفسها.
هذه الجدران ستعمل لعزل أكثر من 380000 عربي داخل أسوار وجدران نطاق صهيوني مباشر،
وتلحق من جهة أخرى، أكثر من 200000 محتل صهيوني، استوطنوا الأحياء والضواحي العربية
بعد عام 1967، بالكيان الصهيوني مباشرة.
ثالثاً: التخطيط للعاصمة العولمية: أورشليم متزوبوليتانية:
ويجري تنفيذ هذه المرحلة وفقاً لما يلي:
1- شبكة الطرق السريعة والطرق الالتفافية: وعقد الطرق ومحطة القطارات السريعة
وتخترق كلها القدس من جهاتها الأربع، وتربط بين مدن الساحل الرئيس كتل أبيب وحيفا
وناتيانيا، بالغور والجليل الأعلى والسهول الوسطى بالنقب الجنوبي حتى العقبة.
صورة القدس، التي ترسمها هذه المرحلة، مركز لشبكة العنكبوت التي قال عنها تيدي كولك،
رئيس بلدية القدس الصهيوني السابق، إنه لن يستطيع سوى العنكبوت اليهودي، أن يتحرك
عبرها.
2- وضعت إدارة القدس الصهيوني يدها على الأملاك العربية شمال المدينة لاستملاكها،
من أجل إنشاء برج ضخم عملاق، بارتفاع 250متراً لتحويل المدينة إلى مركز استقطاب
بشري تجاري سياحي مفتوح لكل المنطقة من جهة، ولإحداث التبديل في النمط المعماري
العربي الإسلامي الذي يطبع المدينة حتى الآن، من جهة أخرى.
3- وأما شرق المدينة وجنوبها مما يلي جدران منصته الحرم الشريف فقد استملكت الأراضي
فيها، ويجري تحويلها إلى مساحات خضراء وساحات عامة ومنتزهات، لقطع إمكان التوسع
المعماري السكني في النطاق العربي.
لقد جرى إزالة المدافن والمقابر وأوابد إسلامية ومسيحية لا تحصى بدءاً من جدران
الحرم القدس الشريف، وحتى جبل الزيتون، ما يسمى اليوم بالحديقة الوطنية "ماميلا".
4- ضييق على السكان العرب لحملهم على الهجرة:
حددت رخص البناء، ضمن حدود ضيقة جداً، كالترميم، وإضافة غرفة، أو غرفتين فقط، وفي
حالات نادرة، يرخص بطابق جديد.
فرضت الضرائب الباهظة 0 على الترخيص، وعلى افتتاح المحال التجارية، ومكاتب المهن
الحرّة.
كما لوحظ أن تطوير الخدمات الصحية في الأحياء العربية شبه معدوم، والحياة لا تصل
المنازل باستمرار، وإن وصلت فبالتقين:
تنفذ سياسة الإغلاق على المدينة، يمنع بموجبها الأقارب والأهل من سكان الضفة
الغربية وقطاع غزة، والمقيمين في الأردن، من دخول المدينة بصورة طبيعية.
منع سكان القرى والبلدات، من دخول المدينة لأداء العبادات والزيارات مسلمين ومسيحين
على السواء.
كما يجري تغيير أسماء الأحياء والشوارع والمواقع والقرى والبلدات إلى أسماء عبرية،
بهدف قطع الذاكرة العربية عن تاريخها.
للإجابة على سؤال عنوان البحث: كيف نمنع تهويد القدس؟
لابدّ أولاً من القول أن السؤال ما يزال في حدود التصويب وحقل البحث. ولم يرق إلى
السؤال المطلق، فهو مفتوح وقابل للحوار، لأن مفرداته بحاجة إلى تعريف وتحديد فهي
واضحة حيناً، وملتبسة في نواح أخرى.
المنع لغة فيما إذا ترجم في سياق سؤالنا، أن نحول بين اليهودية والقدس وبمنطق آخر
أن نحول دون تهويد القدس.
فاليهودية هنا، بنزعتها الإيدلوجية، تماثل العلاقات الرأسمالية في انطلاقها إلى
تأكيد المال أولاً وأخيراً، إذ تطمح إلى الامتداد نحو العالم لتعميم الاستلاب
البشري بكل أنماطه.
وبتفاقم مسألتها مع بروز المجتمع الرأسمالي في أوروبا كان مشروعها الصهيوني على
الأرض العربية في فلسطين، مشروعاً شرعياً للإمبريالية في قانونيتها الحاسمة،
قانونية إعادة تقسيم العلم وفق مصالحها.
وقد مثلت القدس، منذ البداية، فكرة المخلص والخلاص، لتكون عاصمة عالمية
للإمبريالية، وهي فكرة برزت في أواخر القرن التاسع عشر، ويتحكم مريدوها اليوم في
مركز القرار العولمي في واشنطن، وعليه كما كان المشروع الصهيوني هو أحد تجليات
المشروع الإمبريالي، كانت القدس هي عاصمة الأبدية، التي أنيطت بها وظائف محددة هي
تكملة للمهمات التاريخية للمشروع الإمبريالي.
وقد استهدفت القدس للابتلاع لما تملكه من قوىً روحيةٍ وقيمٍ أخلاقيةٍ وهويةٍ عربية
متميزةٍ عملت خلال الحقب المختلفة على التحفيز باتجاه التقدم التاريخي.
لذلك كانت عملية إغراقها بالاستيطان الصهيوني، خلال المائة عام الماضية وتفكيك
مؤسساتها المدنية والاجتماعية والثقافية، ثم الاتجاه إلى تحويلها إلى عاصمة عولمية
متروبوليتانية، عبر شبكات الاتصال المختلفة هدفاً عملت له الإمبريالية الرأسمالية
الغربية بوصفه أولوية، ثم تابعته أمريكا العولمية فيما بعد.
وحالياً يتحول الكيان الصهيوني، عبر شبكته العنكبوتية، إلى اقتصاد التكنولوجيا
المتقدمة، فعلى ضفتي نهر الأردن، منحدرات وادي عربة وإربد والسلط شرق ومنحدرات
المرتفعات الجبلية لمدن الضفة الغربية، ينهض اقتصادٌ .
يعتمد إنتاج المعرفة، بدءاً من الشذرة الالكترونية إلى حزم البرمجيات العالية،
ليقابل وادي السيلكون في الولايات المتحدة الأمريكية وفي العالم كافة يقود القطعان
العولمية.
نصل هنا إلى ما هو حاسم في سؤالنا:
في نظام العولمة اليوم الذي يتميز بالسرعة الفائقة والتركيب الهائل والحجم الكبير
تتركز كل المعلومات اللازمة للتصدي لمعظم المشاكل الآن في أيدي أناسٍ يقفون على
الحدود الخارجية لأي تنظيم وليس في مركزه، فإذا ما تعذر على هؤلاء الناس استخدام
المعرفة والمشاركة فيها، فإن هذا النظام سيكون في وضع سيء للغاية والكلام لفريدمان
وشجرة الزيتون.
إذاً، فالأزمات وانفلات الأمن هو النقيض للتقدم التكنولوجي ففقدان الأمن نقيض
العولمة، وليس هناك من نهاية للتاريخ حتى يشاء الله.
وتأتي مقولة كوندليزاراي حاسمة في هذا المجال، في تأكيد أهمية الأمن لإسرائيل
بقولها: إنَّ أمن إسرائيل هو أمن العالم.
ولقد كان مصداقُ ذلك هائلاً على الأرض الفلسطينية، فوسط الحطام العربي المروع وظن
الكثيرين أن التاريخ قد انتهى ونه لم يبق في العالم إلا الدولة المهيمنة وأن
الأوراق بيدها كافة.
انطلقت الانتفاضة المباركة بمشهد إنساني مؤثر، فقد خرجت الجماهير من بيوتها التي
تُدك يومياً بالقنابل والصواريخ والحراقات إلى الشوارع والطرقات في كل مدينة وقرية،
رجالاً ونساءً حتى الأطفال إنها ثورة الحجارة، وتلتها بعد ذلك المقاومة.
الانتفاضة ثم المقاومة ألقت سؤالاً على العالم كله.
التاريخ لم ينته والرهان على الشرعية الدولية قد سقط وعلى الجميع أن يفتش عن رهانات
جديدة.
إذاً لقد أصبحت المقاومة خياراً استراتيجياً لشعبنا ومشروعاً حاسماً عن الأرض
الفلسطينية بكاملها، تواجه به آلة الاستيطان الماحقة، لا فرق بين شارع يافا في
القدس أو شارع هرتزل في تل أبيب.
لم تستطع كل الحواجز الاستيطانية، التقليدية والالكترونية أن تمنع ريم وهنادي
ومحمود ونائل من الوصول إلى لحظة الوقوف بشموخ على أرضهم.
الأرض لا تصنيف لها في وعيهم، هي في المطلق والواقع حقهم فارض الـ 48 وأرض الـ 67
وأرض 82 وأرض ما وراء الجدران والأسوار... كلها أرض الحق العربي، وكان خيارهم في
العودة ليس ورقة يستجدون بها بالدولةوالشرعيات الدولية بل حزاماً ناسفاً، وتألق
شهادةً.