المخطط الديمغرافي في فلسطين والآفاق السياسية


نعيش اليوم. أعظم المراحل التاريخية العربية. مرارة وألماً.
فالنظام الإمبريالي الصهيوني، ابتلع عاصمة عربية جديدة تشكل العمق الاستراتيجي الشرقي للأمة العربية، مما يعني اجتياحا للوطن العربي من تطوان حتى بغداد.
قد تكون هذه المرحلة فعلا، سقف البشرية ونهاية التاريخ...
قد تكون غير ذلك
.. إذا شاء الله وشئنا!

كشف مؤخرا في الوثائق البريطانية السرية عن الحرب العالمية الأولى عن مذكرة تتحدث عن أوضاع فلسطين في أواخر العام 1917، وقد حددت هذه المذكرة أماكن توزع المستعمرات الصهيونية في فلسطين كما يلي:
ست عشرة مستعمرة على طول الخط الحديدي بين يافا والقدس – أربع مستعمرات على خط العوجا.
أربع وعشرون مستعمرة في الجليل والسهل الساحلي.
كما أشارت المذكرة إلى معلومات ودراسات سكانية (ديغرافية)، بالغة الأهمية.
هذا الاهتمام البريطاني المبكر، والمعمق، بالمسألة السكانية لم أكن أجد له مصداقية معرفية كاملة، ولا سيما في المصادر البحثية العربية، إلى أن اطلعت على ما كتبه نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق في مؤلفه الذي ترجم إلى العربية بعنوان (مكان تحت الشمس) "إن تاريخ الصهيونية هو تاريخ هجرة اليهود إلى أرض إسرائيل وهذا هو الذي سيحسم مستقبل الدولة السكانية لذا فإن مفتاح مستقبل الدولة والحل لكافة المشاكل السكانية يكمنان في استمرار الهجرة إلى إسرائيل .
إن هذين النصين يلتقيان في محور حاسم وهو توظيف العنصر السكاني في حسم مسالة العلاقة ما بين المشروع الإمبريالي والدولة اليهودية مما يمكننا من استخلاص وترتيب النتائج كما يلي:
أولاً: دور بريطانيا في التحضير لاختراق الوطن العربي وفقا لمخططات إعادة تقسيم العالم ضمن المشروع الإمبريالي.
ثانياً: دور المشروع الإمبريالي في تهويد فلسطين ومصادرة هويتها العربية.
ثالثاً: تمكين المنظمة الصهيونية العالمية من امتلاك أدوات تهويد فلسطين كناقل Transferor يتولى عملية إدارة الأزمات والتهجير من كافة بلاد العالم إلى فلسطين وكمنفذ وممول لعملية الاستيطان للسيطرة على الأرض ضمن توزيع جغرافي يشمل الآفاق الاستراتيجية في حدود فلسطين والسهول الساحلية والداخلية ووضع اليد على موارد المياه والمحاصيل الاقتصادية ومن ثم الاحتلال بقوة.
هذا المحور الحاسم وهو العنصر السكاني سيجري صياغته مع ما يتبعه من عوامل على صورة مخططات توضح وتعرض في سياقها التاريخي وهذا هو موضوع البحث.
منذ مطلع القرن الماضي، وأفواج العلماء والخبراء في مختلف الاختصاصات تصل الوطن العربي، وتحت عناوين مختلفة وأبرز هؤلاء علماء سكان أو ديموغرافيين لا فرق.
"لأن كلمة "ديمغرافي" تتماهى مع كلمة "سكاني" والكلمة لم تعرب – كجغرافي مثلاً – ولكني مضطر لاستخدام المصطلحين معا ولا سيما خلال نقل النصوص، للأمانة.."
قام الديمغرافيون بإعداد الدراسات عن السكان العرب – ومناطق سكنهم – المدن – القرى- البادية: أعدادهم – معدلات الخصوبة لديهم وفقا لمجتمعاتهم المختلفة- تقديرات نموهم.
وبمعرفة خبراء استراتيجيين وعسكريين – تم وضع مخططات بؤر الاستيطان – لتنفيذ عملية "تهويد فلسطين" وذلك بالابتلاع التدريجي للأرض العربية- واقتلاع سكانها العرب- ودفعهم خارج وطنيهم..
والمجيء بآخرين تحت عنوان الهجرة اليهودية، وما الإحصاءات والتنبؤات من وقت لآخر والمقارنات والمقاربات التي تعقد وتنظم حول السكان العربي والمهاجرين اليهود، إلا في سياق ذلك.
والملفت للنظر هنا، إن العرب رغم كل النكبات والضياع، ما يزالون في صورة وهم "الأكثرية السكانية" القادرة عبر التاريخ دوما على حسم الصراعات والمعارك مهما طال الزمن، ولم يدركو أخطار الهجرة اليهودية في البدء بل بالعكس من ذلك اعتبرت مصدر ثروة والطريف هنا، أنه في أعقاب انهيار الحضارة العربية في الأندلس وجًه السلطان العثماني بيازيد الثاني دعوة لليهود للمجيء للإمبراطورية وقد عبر عن هذا الأمر في حالة من التعجب والدهشة والفرح ، والنص مأخوذ من موسوعة عبد الوهاب المسيري.
"كيف يصفون فردنياند صاحب القرار بالمشاركة مع زوجته إيزابيلا بطرد اليهود إنه ذكي" ويتابع السلطان بقوله "أنه يفقر أرضه بخروج اليهود من أسبانيا ويغني أرضي"
وكانت النتيجة مرعبة فقد ساهم اليهود في تقويض الإمبراطورية وأنشأوا قاعدة استيطانهم على أرضنا العربية في فلسطين في عهد خلفائه.
المخططات الديمغرافية
أطلق على المخطط اليمغرافي الأول "حصن الحضارة" والمقصود بذلك ، بالمفهوم الغربي الإستيطاني:" حضارة الغرب بوجه بربرية الشرق " .
وقد نفذ عبر ثلاث مراحل:
1- في أعقاب أحداث روسيا عام 1882.
2- في أعقاب أحداث روسيا عام 1904.
3- في أعقاب الانتداب البريطاني وحتى عام 1932.
وحصيلة الكتلة السكانية المنقولة ، خلال الثلاث مراحل : 232000 يهودي محققة نسبة 25% من إجمالي سكان فلسطين.
وقد استقبل الكثير من رجال النهضة العربية طلائع هذه الهجرة بمنطق قريب من منطق السلطان العثماني فقد أوردت الدكتورة خيرية قاسمية في كتابها "النشاط الصهيوني في الشرق العربي وصداه 1908-1918" نصوص نسبتها إلى هؤلاء اخترت منها:
1- نحن على ثقة من أن إخوتنا الإسرائيليين في العالم أجمع سوف يمدون لنا يد المساعدة لنصرة قضيتنا بنفس القدر الذي يساعدوننا فيه لرقي بلدنا المشترك ماديا ومعنوياً.
2- المهاجرة ربح للبلاد – لأن العرب يَدمجون ولا يٌندمجون.
3- الهجرة اليهودية ضرورية لأنها تساعد على رقي الأمة.
وعلى الصعيد الرسمي:
فلا أدل من الرسالة التي وجهها السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل آل سعود إلى السيد برسي كوك- مندوب بريطاني وقد وقعها بفص خاتمه:
"اعترف ألف مرة لا مانع عندي من إعطاء فلسطين للمساكين اليهود أو غيرهم كما تراه بريطانية التي لا أخرج عن رأيها حتى تصيح الساعة" تاريخ 3ك2/1915 وبعد 88 عاما يطلق ابنه الأمير عبد الله مبادرته المعروفة.
عندما صعد نجم هتلر في ألمانيا ما بين 1932- 1938 سارعت المنظمة الصهيونية العالمية لإبرام صفقة مع إدارة الرايخ النازي، حصيلتها نقل 213000 يهودي مع أموالهم وهذا هو المخطط الديمغرافي الثالث، فارتفعت النسبة اليهودية إلى 30% من إجمالي السكان.
وفي أعقاب الاجتياح النازي لروسيا، أبرم كل من الرئيس الأمريكي ترومان وستالين، إتفاقا، كانت كانت حصيلته نقل 200000 يهودي، من معسكرات الاعتقال النازية إلى فلسطين... مما حقق نسبة يهودية قدرها 32% من إجمالي السكان خلال الأعوام 1940-1947.
وهكذا بلغ عدد السكان اليهود : 650000.
نأتي إلى المخطط الديمغرافي الرابع ، خلال الفترة الواقعة ما بين (1 نيسان حتى 14 أيار 1948) وتم فيه، التواصل المكاني والديمغرافي بين مختلف الكتل الاستيطانية الصهيونية وهو مخطط "دالت" . قامت العصابات الصهيونية بموجبه بعمليات احتلال مدن فلسطينية وهدم الأحياء السكنية، وأزالت 214 قرية بالجرافات مما سبب في طرد مليون عربي- لتحقيق أكثرية يهودية بلغت 83% في دولة إسرائيل المعلنة بتاريخ 15 أيار 1948.
وبقي من العرب في حدود هذه الدولة فقط الآستيطانية : 156000 عربي.
بقيت ثلاثة مخططات:
الأول: ما بين 1948-1952 تم فيه نقل 700000 يهودي من البلاد العربية – تحت سيف الإرهاب والقمع الذي ساهمت الأنظمة العربية بالجزء الأكبر منه.
الثاني: ما بين 1972-1979 ، ثم فيه نقل 200000 يهودي من الاتحاد السوفيتي، في صفقة كان ثمنها قمحا وقروضاً.
الثالث: ما بين 1989-1991 ، حيث في أجواء البيروسترايكا، وأفراح العالم بإطلاقها، فتح غورباتشوف أبواب الهجرة لفلسطين لمليون يهودي. ويمثل هذا الرقم 20% من اليهود الذين استقدمتهم الإمبريالية والصهيونية والنازية خلال قرن كامل.
وفي أجواء تنفيذ هذه المخططات، حدثت نكبات مريعة، لسنا بصدد بحثها، أشير إلى أعظمها تأثيرا.. وهو عدوان 1967، حيث حققت دولة إسرائيل سيطرتها على كامل أرض فلسطين، إضافة لمرتفعات الجولان وسيناء مما تسبب في طرد ثلاثمائة وخمسين ألف عربي خارج وطنهم . ويتلازم ذلك مع صعود المشروع الإمبريالي الصهيوني بوصفه قطبا وحيدا مهيمناً على العالم.
المخطط الديمغرافي الحالي: 2001-2002
الأرض المحتلة لعام 1948:
يعيش عليها حالياً مليون عربي، مقابل : 4,700,000 يهودي أي ما نسبته 17% يقيمون في مناطق معزولة نسبياً ، ويشكلون :
75% من سكان المناطق الشمالية (الجليل)
63% من سكان منطقة عكا.
51% من سكان الناصرة
12%من سكان بئر السبع والنقب.
13% من سكان المدن والبلدات المختلفة.

الأرض المحتلة لعام 1967:
يعيش عليها حالياً 2,800,000 عربي مقابل 326,000 يهودي ضمن التوزيع الآتي:
الضفة الغربية 1,600,000 يقابله 150,000يهودي
القدس الشرقية 200,000 يقابله 170,000 يهودي
قطاع غزة 1,000.000 يقابله 6000 يهودي
وبإجراء عملية الحساب:
فإن إجمالي السكان العرب على كامل أرض فلسطين ما يقارب أربعة ملايين.
فإن إجمالي السكان اليهود على كامل أرض فلسطين ما يقارب خمسة ملايين.
أي نسبة 45% للعرب ونسبة 55% لليهود.
تكشف المخططات الديمغرافية التي عرضت الحقائق الآتية:
أولاُ – حققت الإمبريالية العالمية اختراق الوطن العربي عبر إنشاء كيان صهيوني، يقوم ويمثل ويشارك في فرض هيمنتها على الشرق.
ثانياً- حقق المشروع الصهيوني مرحلة هامة باتجاه تنفيذ مخططاته الهادفة إلى تهويد فلسطين والمصادرة على هويتها ، على ما مساحته أكثر من 78% من مساحة فلسطين.
ثالثاً- حققت عملية إنشاء النقط الاستيطانية في الضفة الغربية وغزة، تمزيق كل اتصال ديمغرافي بين المدن والقرى العربية – وفصلها عن بعضها بأحزمة استيطانية وطرق التفافية، مما يحيلها إلى جزر سكانية متشظية في محيط يهودي – صهيوني مهيمن.
ولا بد من القول هنا، كنتيجة أن هذه الحالة المتعاظمة للمشروع الصهيوني، وتحقيقه تهويد فلسطين، نمت في ظل حالة جديدة بدأت تتشكل عالياً لا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط القطبيات والهويات الوطنية في العالم، ولتؤكد أن التاريخ أخيرا انتهى إلى حقبة أميركية عولمية عالمية.
هذه الحالة القت بظلها على النظام العربي الرسمي، لقد ظن الكثيرون منه – أن التاريخ قد انتهى، إلى هذه الحقبة الأميركية، وبالتالي يجب أن يسارعوا الخطى باتجاهه... يفتشون عن موطئ قدم لهم- في هذا الطريق – فكانت الاتفاقيات المذلة في كامب ديفيد وسقوط مصر من الجدار العربي- ثم مدريد وبعدها أوسلو... وأي ريفر.. شرم الشيخ... وادي عربة.. والقائمة طويلة، وطويلة جدا..
وسط هذا الحطام العربي – بل العالمي- انطلقت الانتفاضة في فلسطين.
لتقول لا.. التاريخ لم ينته، فالقدس يجب أن لا تسقط!..
وامتدت الانتفاضة إلى الشارع العربي .. لقد شكلت تحدياً للنظام العربي الرسمي المتخاذل.. بل شكلت ظاهرة تحدٍ للنظام العولمي كله.. مما دفع شعوب العالم كله للاصطفاف وراءها..
لقد أعلنت الانتفاضة أهدافها ومنذ إلقاء أول حجر ووصية أول شهيد.. أنها ترفض هوية المشروع الصهيوني..
إنها ترفض الاحتلال.. إنها تنادي بالتحرير الكامل لأرض فلسطين وهذا هو مشروعها.
في هذه اللحظة الحاسمة.. بدأت التداعيات تظهر في المشروع الصهيوني – لا أقول في ترسانته العسكرية، ولا في تدفق مليارات الدولارات، إنما في العودة إلى مسألة هويته.
فإزاء شعب عربي أصيل نهض يطالب بحقه في هويته وأرضه وقف أحرار العالم ولأول مرة منذ قرن كامل- يراجعون نظرية الحق الشرعي اليهودي التي زُعمت في تبرير مشروع تهويد فلسطين، وليعلنوا بصوت عال، إنهم مع الانتفاضة.
هنا عاد الحديث عاليا، في أوساط المفكرين، عن البنية الملفقة للدولة اليهودية، يراجعون مقولة بريجنسكي في كتابه "رقعة الشطرنج الضخمة".
فالحديث عن "الدولة الأمريكية" ، يماثل الحديث عن "الدولة اليهودية " فمنشؤهما واحد، بنية تلفيقية...
إذن هذه البنية الملفقة معرضة دائماً للاختراق إن آجلاً أو عاجلاً... إذن هناك خطر داهم...
تحدث ديمغرافيون صهيونيون عن نهاية سوداء للدولة اليهودية، قدموا الدراسات والإحصاءات...
معدلات الخصوبة عند الفلسطينين: 4.7 طفل لكل امرأة
يقابلها عند اليهود الشرقيين 3.14
عند اليهود الأشكناز 2.10
عند اليهود القادمين من الاتحاد السوفيتي مؤخرا 1.96
أعلن الدكتور يهودا دون في صحيفة هارتس – بأن التكاثر الطبيعي سيجعل عدد الشعبين اليهودي والعربي متساويا في غضون 14 سنة..
واتفق العالمان الديمغرافيان دوف فريدلندر وكلافين جولدشتاير على القول أنه مع الحد الأقصى من الاستيطان اليهودي والاحتفاظ بكل المناطق المحتلة قد يصبح اليهود أقلية عددية، بل لقد نقلت صحيفة شيكاغو – تريبيون عن البروفسور بأن الوضع الديمغرافي الحالي، إذا استمر على ما هو عليه فستختفي إسرائيل. ( وهو قول مبالغ فيه على وجه التأ كيد )
إذن الخطر الذي يهدد الدولة اليهودية، هو "السكان العرب" إنهم القنبلة الموقوتة، القنبلة الديمغرافية.
وقد ذهب أصحاب القرار والمنظرون الصهيونيون في التعامل مع المسألة باتجاهات متعددة.
الاتجاه الأول ، قال : بالعزل..
امثل عليه بشمعون بيريز- صاحب فكرة (شرق أوسط جديد) بقوله:
بعد عشرين سنة سيتضاعف عدد سكان هذه المنطقة (فلسطين وإسرائيل) وسيصل إلى عشرين مليون نسمة، سيكون العرب نصفهم على الأقل ونصفهم من اليهود.. ومن أجل أن تبقى إسرائيل بلداً يهوديا، على الصعيد السكاني والخلقي، فهي بحاجة إلى وجود دولة فلسطينية منزوعة السلاح، وضمن حدود الأمن الإسرائيلي. وبالمنطق الأمريكي : دولة قابلة للحياة وحسب .
تتقارب مع هذا الاتجاه، حزمة أحزاب اليسار في الكنيست الحالي حزب العمل (بقيادة ميتسناع) ، ميريتس، شنيوي وحزب الشعب الواحد وحركة السلام الآن، من خارج الكنيست.
الاتجاه الثاني: وقد أمثل عليه بقطاعات دينية قومية متطرفة، تدعو إلى نزع هذه القنبلة الديمغرافية، بترحيل الفلسطينيين من المناطق المحتلة لعام 1967 بل ومن داخل إسرائيل عام 1948، والمناداة بتحقيق إسرائيل الكبرى- وتتقارب مع هذا الرأي حزمة أحزاب شاس، إسرائيل بيتنا، يهودت توراة- المفدال.
الاتجاه الثالث: قطاع يميني علماني، يمثله الليكود بزعامة شارون. ينادي بحق إسرائيل بكامل أرض إسرائيل التاريخية، وبحكم ارتباطات هذا القطاع مع جهات يهودية وصهيونية دولية ولا سيما في موقع القرار السياسي الأمريكي فإنه يقبل بتحقيق سلام مع العرب، عبر مفاوضات مباشرة- لمنحهم دولة تمارس سيادتها على السكان- دون الأرض- في جزر وكنتونات منعزلة.
الاتجاه الرابع: فعليات متعددة تلتقي من حيث الأهداف مع الاتجاهات الثلاثة إلا أنها تختلف عنها، بأنه ليس هناك من مشكلة ديمغرافية خطرة، طالما استمرت الهجرة اليهودية وحافظت الدولة اليهودية على تقدمها العلمي والتقني والعسكري، ويقدمون لفكرتهم بالقول أن الدولة اليهودية تحققت من انطلاقة، بضعة آلاف في نهاية القرن التاسع عشر، وهي الآن بحدود خمسة ملايين، ويمكن أن تصل إلى عشرة ملايين باستمرار الهجرة، وأمثل عليهم نتنياهو.
فالاتجاهات الأربعة تلتقي بالتمسك في الحدود الدنيا كقاسم مشترك لها، (دولة يهودية وبأكثرية يهودية) مع اختلافات في استخدام العلاقات الدولية والمصالح المجتمعة اليهودية.
وللأسف هذا الحديث عن الدولة اليهودية وأخطار الوضع الديمغرافي ونتائجه لم تبحث جديا على الجانب الفلسطيني والعربي، وإلا كانت هناك توجهات أخرى ، بدلا من التنازلات المذلة.

الآفاق المستقبلية
خلال الفترة الواقعة ما بين 16-21 كانون الأول لعام 2000 عقد في المركز المتعدد الاختصاصات "هيرتسليا" في الأرض المحتلة مؤتمر كبير حضره نحو 300 شخصية تحت عنوان:
ميزان المناعة والأمن القومي الإسرائيلي- اتجاهات لسياسة عامة- واستنتاجات وخطوط سياسية أساسية.
إشتمل الحضور على أبرز الوجوه في المؤسسات السياسية والأمنية والأكاديمية ورؤساء الموساد، وشعب المخابرات، رجال الفكر، كبار الضباط، رؤساء مراكز الأبحاث، رؤساء الدولة السابقين، رؤساء ووزراء حاليين وسابقين، رؤساء الأحزاب وكتل السياسة، أساتذة الجامعات المرموقين.
هذه الشخصيات وغيرها، ممن شارك في المؤتمر وفي ضوء أسماء المؤسسات الداعمة له، تجعل منه واحدا من أهم مراكز صنع القرار الصهيوني وقد يغدو، في مستقبل غير بعيد ، أهمها على الإطلاق.
القضية التي بحثت وصدرت بصددها دراسات، ما أصبح يعرف بالتهديد الديمغرافي.
لقد وضع المؤتمر القضية كأطروحة على الشكل الآتي:
"إن الأقلية في إسرائيل ستصل إلى ربع السكان وربما أكثر من ذلك، والأغلبية اليهودية ستأخذ في التقلص، في حال استمرار الاتجاهات الديمغرافية الحالية، وهذا بدوره سيضع إسرائيل أمام تهديد كبير من ناحية طابعها وهويتها كدولة يهودية تابعة للشعب اليهودي.
وتأتي توصيات المؤتمر، لتعيد التأكيد على الهدف الاستراتيجي الذي حددته الحركة الصهيونية منذ مؤتمر بال عام 1897 بالنص على أنه:
"لا يمكن إلا لحدود تضم أكثرية يهودية صلبة على مدى الأجيال، أن تضمن حدود دولة إسرائيل".
وفي السياق نفسه:
" الثقافة العلمانية أصبحت الثقافة السائدة في إسرائيل والشتات وإذا فقدت الأكثرية العلمانية هويتها اليهودية، لن يكون ثمة شعب يهودي".
كانت اتجاهات الرد على هذا التحدي،
بتبني استراتيجية للبقاء اليهودي (يهودية علمانية) من قبل الجمهور اليهودي العلماني، وتحديد السياسات التعليمية في الحقل السكاني العربي.
رفض المؤتمر مفهوم الشريك الفلسطيني، وبالتالي لن تكون هناك تسوية شاملة معه، وإنما اتفاقات مرحلية تملى عليه وفقا لمصالح الدولة اليهودية العليا، وتؤجل إلى مدى طويل القضايا الحاسمة للقدس واللاجئين، مع العمل على تنفيذ خطوات أحادية الجانب، وفي غياب مخرج سياسي- ستعمل هذه الخطوات على إدارة الصراع بدلا من أن تحله".
وعلى هذا فإن الهندسة الجديدة التي اتبعتها إدارة بوش في التعامل مع السلطة الفلسطينية" هي تطبيق جلي لهذا التوجه:
جملة تحركات بدأها جورج تينت ثم زيني، ووليم بيرنز، تشيني، كولن باول، سام براوبناك، دان كيرتر وأخيراً " خريطة الطريق" التي عرضها ويليام بيرنز بتاريخ 20/10/2002.
وقد هدفت هذه التحركات إلى وضع ترتيبات أمنية وعرض رؤية بوش للسلام، والتي تضمنها بيانه الذي أعلنه بتاريخ 24 حزيران 2002 وواصفا شارون بأنه رجل السلام في المنطقة.
وقد بدأت الخطوات التنفيذية لتطبيق خطة الطريق بتعيين أبو مازن رئيسا للوزراء.
وتهدف "خريطة الطريق" إلى إنهاء العنف والإرهاب (المقاومة) وإنشاء سلطات أمنية وإدارية برقابة اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة الأمريكية – روسيا- الاتحاد الأوروبي- الأمم المتحدة) كما ستقوم لجنة دولية من دول اليابان والنرويج والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بمتابعة الشطر المدني وإصلاح الفساد، في الكيان الذي سيطلق عليه "دولة مؤقتة" بنهاية عام 2003 وأما الاتفاق الدائم فستجري بشأنه مفاوضات، بهدف استكمالها في عام 2005.
وعلى ذلك، فإن الإطار القانوني، لدولة " خريطة الطريق" ، هو في مصطلحات القانون الدولي في حدود ما يدعى "نظام وصاية دولي".
اعتبر المؤتمر أن أحداث 11 أيلول شكلت نقطة حاسمة بالنسبة لدولة إسرائيل- حيث أدرجت المقاومة الفلسطينية- بعد المقاومة الإسلامية في جنوب لبنان- ضمن برنامج محاربة الإرهاب.
وتتولى الولايات المتحدة حالياً ملاحقة كل دعم مادي أو إعلامي، وبالتالي ما تمارسه الدبابات الإسرائيلية والجرافات في مدن وقرى فلسطين وحملة الاغتيالات والمذابح، كل ذلك أصبح ضمن المجهود الذي تبذله إسرائيل في خطة مقاومة الإرهاب.. والغرض من ذلك كما أعلن "موشيه يعلون " رئيس هيئة الأركان العامة الإسرائيلية:
"علينا أن ننتصر في هذه المواجهة بصورة تحفر لدى الجانب الفلسطيني وعيا بأن ليس للإرهاب والعنف أية فريضة في تحقيق أي إنجاز، يكون معناه خضوعا إسرائيلياً".
وأخيراً حدد المؤتمر الأخطار التي تتعرض لها الدولة اليهودية ضمن ثلاث دوائر...
الأولى: محاذية : (فلسطين وجنوب لبنان).
الثانية: قريبة : (سورية)
الثالثة: بعيدة : (عمق الأراضي السورية حتى العراق وإيران)
إضافة إلى امتلاك دول الجوار الأسلحة البيولوجية والكيميائية، محذرا من أن تتوصل دولة في المنطقة إلى امتلاك قدرات نووية.
وقد عاد المؤتمر إلى التأكيد على خطورة التغيرات الديمغرافية في الدولة اليهودية، حيث بصعود الأقلية العربية، تفقد إسرائيل عمقها الاستراتيجي الديمغرافي، وهذا يستوجب أعباء أمنية تزداد خطورة وكلفة، وهذه الأمور تستوجب تحركا سريعا، باتجاه تدمير الدوائر الثلاث.
ويأتي العدوان والحرب على العراق في إطار التقاطع ما بين خطط المشروع الإمبريالي العولمي وخطط المشروع الصهيوني الأمريكي وضمن التبادل الوظيفي الأقصى وذلك بالبدء بتدمير الدائرة الثالثة، وينظر العالم بانبهار أمام المقاومة التي سجلتها لحظات المواجهة الأولى ضد العدوان الأمريكي- البريطاني ويسارع الاستشهاديون والمجاهدون والشرفاء لأخذ مواقعهم في الخنادق الأولى ويظهر عجز أعتى القوى التدميرية في اختراق المقاومة على أبواب أم قصر والبصرة والنجف وكربلاء وأطراف بغداد.
وفجأة يكتشف النظام الرسمي العراقي نفسه، فتنسل الجيوش والميليشات في جنح الظلام وتتحول بغداد إلى ساحة مفتوحة أمام جحافل هولاكو القرن الحادي والعشرين وتصمت المضادات الأرضية لتفسح المجال لطائرات العدوان لتمارس الألعاب البهلوانية في سماء بغداد المفتوحة، لكل عابر ولتسكت أجهزة الإعلام التي قد تكون شاهده.
والجميع يستعيد اللحظات الأخيرة، بذهول وبصور قد لا تصدق ولكنها واقعية.
تأتي هذه المرحلة في سياق تتابع عمليات تصدع النظام العربي الرسمي بكل تجلياته القطرية، ولتتساقط منظومة الأوهام التي نسجتها الأنظمة العربية حول أحلام جرى تسويقها تحت عناوين مختلفة.
الوحدة العربية – ميثاق الدفاع المشترك- التضامن العربي- السوق العربية المشتركة – إلخ....
واليوم بدأت تلوح في الأفق بوادر التحضير لعدوان جديد يستهدف سورية، وربما بدأ فعلا!. فالمعركة على الأبواب، وهي مستمرة مع قوى العدوان:
لقد سقطت القدس بتاريخ 7 حزيران 1967
وسقطت القاهرة بتاريخ 10 أيلول 1978 (معاهدة كامب ديفيد)
وها هي بغداد تسقط بتاريخ 9 نيسان 2003.
ومع تشظى العواصم العربية الأخرى ، بقيت سورية صامدة تدعم المقاومة .
إنها بمثابة خروج على "النظام العربي الرسمي" .
والمطلوب وهو مهام المرحلة الحالية:
بناء الفرد المقاوم وبناء الأمة المقاومة.
هل تعود المقاومة على أرض فلسطين والعراق إضافة لدمشق ، لصناعة التاريخ العربي؟
نرجو ذلك.