" الأمن القومي العربي والمخططات الأمريكية
الجديدة"
"خارطة الطريق"
الأمن القومي العربي
مقدمة:
جاء في تعريف الجامعة العربية للأمن القومي العربي:
"بأنه قدرة الأمة العربية على تحقيق دولتها الواحدة والدفاع عن أمنها وحقوقها
وصيانة استقلالها، وسيادتها على أراضيها وتنمية قدراتها وإمكاناتها".
إن هذا التعريف، وتعاريف أخرى مماثلة، بحاجة إلى إعادة بحث وتدقيق في ضوء التحديات
التي تواجه العرب بما يحفزهم للتصدي للمشاريع التي تستهدف استكمال تحويل أرضهم، إلى
مجرد مكان يعيشون فيه ولا يملكونه.
إن العرب يواجهون التحدي الأقصى، فالمخططات الأمريكية الجديدة تهدف إلى دمجهم في
العولمة الجديدة كجزء من مؤسساتها، حيث ينحرف الأمن القومي العربي عن أهدافه
الحقيقية ويصبح جزءاً من الأمن القومي الأمريكي. وما أظن أن موضوعا غير الموضوع
الذي نحن بصدده، جدير في هذه المرحلة أن يبحث ويعمق البحث فيه.
إن الموضوع معقد وهو يمتد إلى جذور تاريخية قد تطال قرونا عديدة.
لكني سأتناوله في اللحظة الأخطر، إذ جرى اقتسام الأرض العربية بين المنتصرين، عشية
انهيار الدولة العثمانية وصعود الرأسمالية الإمبريالية. وفي محاولة متواضعة، أعرض
موضوع الأمن القومي العربي من خلال المحاور الآتية:
1- دور النخب العربية في غياب الأمن القومي العربي.
2- الدور الأمريكي في غياب الأمن القومي العربي.
3- البعد الأمني للنفط.
4- البعد الأمني للماء.
5- البعد الأمني للغذاء.
6- البعد التكنولوجي للأمن العربي.
7- البعد الاقتصادي والاجتماعي للأمن العربي.
1
دور النخب العربية في غياب الأمن القومي العربي
لقد كان مشروع الدولة العربية واضحاً في أذهان من قام بالثورة العربية فالشريف حسين
مثلاً كان يفاوض الإنكليز على خارطة محددة ولم يكن بالإمكان إدراج مصر ولا بلدان
المغرب العربي نظراً للحاجة للإنكليز والفرنسيين ولطلب مساعدتهما في التهيئة للثورة
ضد الدولة العثمانية.
وبعد انكشاف الخديعة الكبرى وتقسيم الوطن العربي إلى مناطق إقليمية متعددة وتقسيم
بلاد الشام واقتطاع فلسطين منها ثم تقسيم سورية نفسها إلى دويلات توزعت النخب
العربية (ضباط مسرحين وسابقين من الجيش العثماني وسياسيين ومثقفين وثوار في طرقات
هذا التقسيم).
فالبعض التحق بالأمير عبد الله باتجاه عمان، وآخرون رافقوا فيصل بطريقه لبغداد،
وآخرون ساروا في اتجاه الكيانات القطرية الأخرى.
لاحظوا أن أبناء العائلة الواحدة لم يتفقوا على إقامة دولة واحدة بينما اختارت عصبة
مجاهدة، برفقة يوسف العظمة أن تسلك درب الشهادة في ميسلون في أول مواجهة مع
الاستعمار الجديد.
وفي الثلاثينيات تضافرت بعض النخب في بلاد الشام والعراق إلى عقد مؤتمرين في قرنايل
وزحلة بلبنان لعرض توجهاتهم في موضوع دولة الوحدة، إلا أن انقساماً آخر نشأ في
منتصف الثلاثينيات بسبب الموقف من القضية القومية وتفرعاتها كالموقف من الاستعمار
مثلا.
فأخذت النخب تشكل الهويات المتعددة، والقومية، والقطرية، والطائفية، والمذهبية
وأخرى وبدأت المفاهيم القومية والقطرية والدينية وأخرى كثيرة، ترتبط وتنفصل، تتوحد
وتتصادم.
وبغياب المشروع النهضوي "الدولة الأمة"، غاب الأمن القومي العربي منذ مطلع القرن
الماضي ولم يتشكل بعد.
2
الدور الأمريكي في اختراق الأمن القومي العربي
كان لتعاظم مركز الولايات المتحدة ضمن المشروع الرأسمالي الإمبريالي قبيل الحرب
العالمية الأولى وخلالها، الأساس في الدور الذي لعبه الرئيس ويلسن في عملية اقتسام
العالم وإنشاء عصبة الأمم.
فتراجعت الأصوات التي كانت تنادي بحق الشعوب في تقرير مصيرها وعدم التدخل في شؤون
الآخرين، "كإعلان الاستقلال 1776م وإعلان مونرو 1823" وقد عبر وزير الخارجية
الأمريكي شارل هيوز سنة 1924 عن توجهات المخططات الأمريكية لتلك المرحلة بقوله:
"لا تبنى السياسة الخارجية على أمور مطلقة، بل هي نتيجة للأفكار العملية للمصلحة
القومية النابعة من مطلب مباشر، إن رجال الدولة لا يغفلون لحظة عن الهدف الإمبريالي
ومتطلباته".
وقد مثلت الاتفاقات الثلاثة التي أبرمت بين الولايات المتحدة ودولتي بريطانيا
وفرنسا حول حقوقها في الدولة المنتدبة، إضافة لتصديق مجلس الشيوخ والنواب
الأمريكيين على إنشاء الوطن القومي اليهودي في 30 حزيران 1922.
أقول: مثلت هذه الاتفاقيات ما بين 1922-1930، الحلقة المركزية في اختراق الأمن
القومي العربي، بتكريس التجزئة والانتداب، حتى تحقق للرأسمالية الإمبريالية توفير
الشروط الموضوعية لخلق المشروع الصهيوني وإبقاء الوطن العربي ضمن دائرة التخلف
والتبعية.
3
البعد الأمني للنفط
كان لاستنزاف احتياطي النفط الأمريكي خلال الحرب العالمية الأولى، أثر في توجه
المطامع الأمريكية باتجاه النفط العربي. ولجهل العرب بالدور الحقيقي الذي لعبته
أمريكا في تكريس التجزئة القطرية استقبلت الشركات الأمريكية بالترحاب.
وهكذا حصلت الولايات المتحدة الأمريكية على موطئ قدم لها على كامل الجزيرة العربية،
بمنح الشركات الأمريكية حق التنقيب عن النفط في المملكة العربية السعودية سنة 1933م
في الكويت إلى أن يصبح النفط مصدر تهديد خارجي للأمن القومي العربي، بدلاً من أن
يكون سلاحاً عربياً، إذ أسندت الولايات المتحدة لإسرائيل أداتها الطبيعية مهمة
حماية مصالحها النفطية في المنطقة العربية.
4
البعد الأمني للماء
"إن أنهار الليطاني والنيل واليرموك يجب أن تدخل ضمن إطار خارطة الطاقة في الشرق
الأوسط" اسحق موداعي وزير الطاقة الإسرائيلي.
في تصريح لجزيرة الفجر بتاريخ 5/1/1979
يشكل موضوع الماء عنصراً مهماً في استراتيجية المشروع الصهيوني، وقد كانت لاعتبارات
المائية وليست التاريخية التي أملت على الصهيونيين، التقدم إلى مؤتمر الصلح بباريس
سنة 1919 بخريطة تضم حدودها مصادر الماء في جنوب لبنان وجبل الشيخ وهضبة الجولان.
وقد شكلت ثلاثة مشاريع كبرى أول خرق في جدار الأمن المائي العربي:
1- مشروع روتنبرغ: لاستخدام كل موارد الماء على ضفتي نهر الأردن سنة 1926، إضافة
لعقد إيجار لمثلث أم المجامع مع إمارة شرق الأردن لإقامة المنشآت الكهربائية.
2- امتياز شركة البوتاس لمياه الميت سنة 1935.
3- امتياز تجفيف بحيرة الحولة سنة 1935، واغتصاب أكثر من 350000 دونم كانت تحت
الماء.
وقد هيأت نكبة 1948، الفرصة لإسرائيل لاستيلائها على المياه العربية في الداخل
الفلسطيني، إلا أن المواجهة المباشرة حول الأمن المائي تمت عام 1964، فبعد صمت عربي
كامل امتد من 1960-1964، على تحويل إسرائيل لمياه نهر الأردن عقدت قمة عربية في
كانون الثاني 1964، اتخذت قرارات بتحويل روافد نهر الأردن إلى اليرموك، قصفت
المنشآت العربية، وهذا استدعى مواجهة إسرائيل بإنشاء قيادة عربية موحدة لحماية
المشروع العربي لنهر الأردن، ويعتبر هذا القرار حالة توهج عربية، لم يكتب لها
الاستمرار، حيث حالت المخططات الإمبريالية دون ذلك. ولعل المواجهات المسلحة
وتعقيدات أخرى معروفة تلت ذلك، كانت وراء حرب 1967.
وقد أدت الهزيمة إلى سيطرة إسرائيل على مياه فلسطين كاملة وهضبة الجولان وسيناء
فأحكمت سيطرتها على منابع نهر الأردن ومعظم مجرى نهر اليرموك.
وكلنا يذكر عندما أراد لبنان بعد تحرير الجنوب، أن يأخذ ما هو أقل من حصته
القانونية، دق شارون طبول الحرب الشاملة.
إن قضية الأمن المائي العربي، من أخطر القضايا التي يواجهها العرب إذا عرفنا أن
التصحر يجتاح ويبتلع الأرض العربية سنة بعد سنة، لا سيما إذا رافقه ما هو أخطر، ألا
وهو الخطر الصهيوني.
5
البعد الأمني للغذاء
"الترسانة الأمريكية تضم سلاحاً سياسياً ذا فعالية خاصة هو الغذاء"
"الرئيس الأمريكي الأسبق فورد"
إن انتشار الوطن العربي على رقعة إقليمية شاسعة معظمها صحراوي، تمثل 6/1 محيط
اليابسة عرضاً وطولاً وتوفر موارد مائية هائلة غير متوزعة يتحكم فيها غيرنا! استتبع
أن تتوزع الزراعة العربية بطريقة تؤكد فعلا. أن الوطن العربي بحاجة إلى مشروع نهضوي
يوحده سياسياً واقتصادياً فالحاجة إلى مشروع تنموي عربي يحقق التكامل الزراعي
العربي تقع في أولوية الأولويات، لاسيما إدخال السودان سلة غذائه ضمن معادلة أمنه
الغذائي ووقف المشاريع الزراعية ذات السياسات القطرية الضيقة واستخدام التقنيات
العلمية الحديثة لمضاعفة المردود بوحدة المساحة.
بالمناسبة استطاعت سورية بالتركيز على المسألة الزراعية خلال العشرة أعوام الماضية
من رفع محصولها من القمح ما يقارب الـ 4 ملايين طن سنوياً. فتحولت هكذا من دولة
تستورد إلى مصدرة له، بما يقارب المليون طن سنويا. وما يؤسف له أن الوطن العربي،
بالرغم من موارده لا سيما السودان، يعاني من فجوة كبيرة في معادلة أمنه الغذائي
نتيجة لعوامل التجزئة والتخلف كما أشرنا إلى ذلك فهو يستورد حالياً 60% من
احتياجاته من الغذاء.
تستخدم الولايات المتحدة هذه المسألة في فرض الاملاءات السياسية فدول ذات سلوك حسن
يقدم لها من أجل السلام، وهناك دول يفرض عليها الحصار.
لعل في تطبيق الإدارة الأمريكية في عهد جورج بوش الأب، لشعار النفط مقابل الغذاء،
على العراق والتلويح به للسعودية ودول الخليج. مثلا على ذلك، فسيطرة الإمبريالية
الأمريكية على الموارد النفطية العربية حول الثروة العربية إلى سلاح أمريكي تمارس
فيه الدولة الإمبريالية سياسة التبعية الغذائية على الدول العربية ذات الشان.
تقوم الولايات المتحدة من أجل إحكام سيطرتها على محصول القمح العالمي بشراء القمح
الزائد عن حاجة الاستهلاك المحلي في البلدان المنتجة له، باحتكار سوقه، وامثل على
ذلك بمثل، إذ تحتاج إلى 6 ملايين طن سنوياً، وكانت تستورد هذه الكمية من أوروبا
الشرقية، ولما وضعت الولايات المتحدة يدها على هذا الفائض اضطرت مصر إلى العودة إلى
القمح الأمريكي الذي يخضع بيعه لإملاءات وتنازلات جديدة إضافة إلى ارتفاع سعر القمح
المستورد في السوق المحلية بمصر حالياً من 600 جنيه إلى 1200 جنيه.
6
البعد التكنولوجي للأمن القومي
يهدد العرب خطر مرده التخلف العلمي والفجوة التكنولوجية، وهو من أهم العوامل التي
تهدد أمنهم القومي، وقد أرجع بعض المستشرقين والمستغربين من العرب مسألة التخلف إلى
تخلف في العقل ذاته، إذ توقف العرب في الماضي عند مرحلة، وهم غير قادرين في الحاضر
على استيعاب قضايا العلم والتكنولوجيا.
والرد الحاسم على هؤلاء في النص الذي أورده الأستاذ وائل أتاسي في كتابه "تراثنا
وفجر العلم الحديث":
"وهكذا نرى أن المسلمين والعرب قد دشنوا عصر المنهج التجريبي بل ومذهب الشك إلى حد
ما، في العلم سواء في الفيزياء أم في الطب أم في الكيمياء الذي عده جون ديزمو
ندبرنال علماً عربياً مثله الجبر والمثلثات" إن سبب التخلف يعود إلى رفض النظام
العربي الرسمي، إحداث تغييرات بنيوية سياسية ومجتمعية تأخذ بأسباب النهوض العلمي
والتقنية الفعلية التي تنتج المعرفة، وفقدان الصناعة المتطورة التي ترتبط بها،
فتحولت الجامعات ومراكز البحث العلمي إلى منافذ تقذف بمئات الآلاف من حاملي
المؤهلات العلمية، دون أن يكون لهم دور في تطوير الوطن، مما جعل هذه الكفاءات
العربية تشكل عبئاً اقتصادياً على الوطن ونزيفاً مستمراً، تفيد منه الدول المتقدمة.
وقد شكل هذا الأمر تهديدا خطيرا لأمننا القومي، الذي لم يستطع مواجهة المشروع
الصهيوني القائم على العلم والتكنولوجيا.
7
البعد الاقتصادي والاجتماعي للأمن العربي
العولمة كتظاهرة اجتماعية حياتية فيها النافع والضار، وقد أصبحت علما على انفراد
الولايات المتحدة بقيادة العالم من خلال عناصرها الثلاث: تعميم الرأسمالية،
والقطبية الواحدة، وثورة التقنيات والمعلومات. إلا أن الاختراق الكبير كان طغيان
القطرية وما أفرزته من هويات وانتماءات تشكلت خارج حقل التاريخ القومي المرتبط
بوشائج العروبة والإسلام.
والخطأ الثاني في "تعميم نسبية الحقيقة"، والتي تتصادم مع حياتنا المجتمعية
وأخلاقنا وعاداتنا، والخطأ الثالث يتجلى بالأمركة، وأعني انتشار الأزياء والموسيقى
والأكل والذوق الأمريكي مما يفقد الأمة مناعتها، ويؤدي إلى اختراقها، وقبول ثقافة
العولمة والتطبيع.
المخططات الأميركية الجديدة
دور النظام السعودي
في غمرة نشوة النصر الذي حققته آلة البطش العولمية الأمريكية على العراق، تحدث
الرئيس الأمريكي بوش في جامعة كولومبيا بولاية ساوث كارولينا. بتاريخ 9/5/2003
قائلاً:
"كل حجر زاوية من الطريق الذي امتد ستين عاماً قيل إن أشياء كثيرة كانت مستحيلة حتى
اللحظة التي أثبتت فيها الأيام عكس ذلك".
هذا النص يضعنا أمام كشف خطير، فالرأسمالية الإمبريالية التي أنجزت خلال الأربعين
عاماً الأولى من القرن الماضي تمزيق الوطن العربي إلى دول قطرية، واستباحة الأرض
العربية في فلسطين وجعلها وطناً قومياً لليهود تراها ماذا أنجزت خلال الستين عاماً
التالية.
هنالك نص لتوماس بريسون في كتابه العلاقات الأمريكية مع الشرق الأوسط 1874- 1975
قرئ من منظور المصالح الأمريكية المباشرة إلى أن أتى 11 سبتمبر، الذي قدمت الأحداث
التالية عليه قراءة جديدة:
النص "قام هاوي كولر مدير ستاندرد أويل، وروجرز مدير شركة تكساس بتقديم طلب لوزير
الداخلية الأمريكي كولور روجرز بأن هناك حاجة لتوسيع قانون الإعارة والتأجير أي "
المعونة العسكرية زمن الحرب" لتشمل المملكة العربية السعودية.
وقد نُقل هذا الطلب إلى وزارات البحرية والحربية والخارجية، حين صدرت الموافقة
الفورية للرئيس الأمريكي روزفلت على هذا الطلب بتاريخ 18 شباط 1943.
وبناء على هذه الموافقة اعتبر أمر الدفاع عن المملكة العربية السعودية أمراً حيوياً
من أجل حماية المصالح الاقتصادية الأمريكية وذا ضرورة حيوية للأمن القومي الأمريكي
ولمواجهة التهديدات البريطانية لتلك المصالح وتثبيت الاستقرار في السعودية" انتهى
النص.
إذاً نضع يدنا هنا على نص هائل، يشير إلى لحظة تاريخية حاسمة، إذ تتحول المملكة
العربية السعودية بنظامها السياسي، بأرضها، بثرواتها النفطية، إلى ضرورة حيوية
للأمن القومي الأمريكي.
ألا يتقاطع هذا النص مع نص خطاب جورج بوش الابن في ساوث كارولينا؟ لقد تحول النظام
الرسمي السعودي إلى أداء الدور الذي يلعبه منذ ستين عاماً بحرف الأمن القومي العربي
عن أهدافه الحقيقية، أو تسخيره في خدمة المصالح الإمبريالية الأمريكية.
وهناك مسألة خطيرة أخرى يشير إليها هذا النص:
لقد كان روزفلت "الرئيس الأمريكي الأسبق" يرى أن الفرصة التاريخية لأمريكا إذا ما
أرادت
أن ترقى إلى قيادة المعسكر الإمبريالي بشكل مطرد، في بسط السلطة العسكرية على
العالم كله بشكل مطرد وهكذا حصل روزفلت خلال ثلاثة عشر عاماً، من ولايته لأربع
دورات متتالية امتدت حتى موته عام 1945، على سلطات ديكتاتورية مطلقة، وعبر مقدرات
المعسكر الإمبريالي الهائلة حسمت الولايات المتحدة نتائج الحرب، بل وما بعدها وشهد
العالم طبقاً لهذا التحول أفول الإمبراطوريات العظمى ألمانيا وبريطانيا وفرنسا
وبزوغ توازن غير متكافئ لمعسكرين: إمبريالي أمريكي واشتراكي وما لبث هذا التوازن أن
انهار خلال أقل من نصف قرن لتحكم العالم بعده عولمة أمريكية واحدة.
العولمة الجديدة وسياسة الردع والاحتواء
وقد انعكست المتغيرات الدولية والتي تتالت على الوطن العربي فواجع وكوارث، فقد
استطاعت الولايات المتحدة عبر قاعدتيها الأساسيتين إسرائيل والمملكة العربية
السعودية من تحقيق مخططاتها المرتكزة على مفهومي الردع والعدوان من جهة، والاحتواء
من جهة أخرى.
شكلت الدولة اليهودية فيها ذراع البطش والعدوان، بينما حققت المملكة العربية
السعودية احتواء السياسات المعارضة للولايات المتحدة وكانت الممثل والراعي لمصالحها
في المنطقة خلال الستين سنة الماضية.
وعبر هذين المفهومين واستخدامهما، وفق متطلبات كل مرحلة وضروراتها تحقق للولايات
المتحدة تنفيذ مخططاتها التالية:
1- تشكيل منظومات الحكم والأحلاف الموالية لها.
2- ربط دول المحيط بأحلاف إقليمية.
3- تفجير الصراعات في دول الأطراف مع الدول المجاورة لها، وفقا لسياسة الشد في
الأطراف.
4- الإجهاز على مشاريع الوحدة والتضامن، وكل الاتفاقات التي جرى إبرامها في سياق
محاولة تحقيق الأمن القومي العربي.
5- إسقاط مصر من الجدار العربي وفتح العواصم العربية للاختراق الصهيوني المباشر
ونشر ثقافة التطبيع ثم سوق الجميع إلى مدريد، طوعاً أو كرهاً.
سياسة الضربات الوقائية وخارطة الطريق
وسط هذا الحطام العربي المروع، وفي ظن الكثيرين أن التاريخ قد انتهى إلى هذه الحقبة
الأمريكية، انطلقت الانتفاضة المباركة بمشهد إنساني مؤثر، الانتفاضة طرحت سؤالاً
على العالم كله وعلى الجميع أن يفتش عن رهانات جديدة.
لقد أضحت الانتفاضة المشروع الحاسم على الأرض الفلسطينية ورمز مقاومة أحرار العالم
للإمبريالية العولمية، فاندفعت الملايين في شوارع برلين وروما ولندن تهتف للانتفاضة
وتدين العولمة الأمريكية.. "قد أكون نسيت العواصم العربية" ثم أتت أحداث "11 أيلول
2001 لتشكل نقطة انعطاف هائلة" ثانية فقد أصابت الضربة، رموز الطغيان العالمي في
عقر دارها المتمثلة بسلطة قرارها السياسي، ومركز عدوانها العسكري، إضافة لكبريائها
الاقتصادي.
لقد وجدت الولايات المتحدة في هذه الأحداث فرصتها التاريخية الثانية، ألم تكن
الفرصة التاريخية الأولى في الحرب العالمية الثانية؟
لقد اعتبرت العولمة الأمريكية نفسها، في حالة حرب شاملة ضد الإرهاب، ساحتها العالم
كله.
وعليه أخذت خطب الرئيس الأمريكي بوش "الابن" تأخذ منحنى جديداً، وتجلى ذلك في خطابه
المشهور في كلية "وست بوينت" العسكرية بتاريخ 1 حزيران 2002، حيث شدد فيه على عزم
الولايات المتحدة على تغيير سياستها الأمنية من فكرتي "الردع والاحتواء" اللتين
سادتا طوال الحرب الباردة ومنذ عهد روزفلت إلى فكرة "الضربات الوقائية" لإبطال فرصة
العدو "بحسب رأيه" في تهديد الولايات المتحدة أو حلفائها أو ابتزازها أو منافستها
عسكرياً.
وقد أكد التقرير الذي قدمه الرئيس بوش للكونغرس الأمريكي بتاريخ 17 أيلول 2002 تحت
عنوان "استراتيجية الأمن القومي الأمريكي" سياسة الضربات الوقائية، وأعطى إمبراطور
روما الجديد الولايات المتحدة لكونها القوة العظمى الوحيدة في العالم أن تحدد درجة
الخطر المحتمل بنفسها ثم تتخذ الإجراء الذي تراه ضرورياً للتخلص من ذلك الخطر.
في هذه اللحظة الحاسمة يحدد بوش الخطر المحتمل بالمنظمات الإرهابية...
يقول بوش "فإذا ما رفض الفلسطينيون الإرهاب، فإن بإمكانهم الاعتماد على الولايات
المتحدة في دعم قيام دولة فلسطين ويتابع بوش: والخطر الثاني يتجلى في الدول الداعمة
للإرهاب التي تحاول الحصول على أسلحة الدمار الشامل أو استخدامها.
وأما الخطر الثالث: ففي الدول التي تأوي الإرهاب"
ويقول الدكتور طيب تيزيني في هذا الشأن:
"هنا انفتح ما كان مغلقاً، إن الولايات المتحدة. ليس الحليف الاستراتيجي وإنما هي
الحليف البنيوي للمشروع الصهيوني، أو هي من أوجه هذا المشروع عندما يصوغ بوش
المسألة على الشكل الآتي:
إن الاحتلال الدائم يهدد هوية وديمقراطية إسرائيل، وعليه وجد النظام العولمي
الجديد، ومن ثم، المشروع الصهيوني مخرجه من أزمته في بريجنسكي – مستشار الأمن
القومي الأمريكي الأسبق اطرحوا شيئا للعرب وليكن جزره يقول بريجنسكي "ثم ابدؤوا
بالمفاوضات أولاً وأولاً وأولاً، وحينما تكتشفون أن الصداع يتولد في إطارهم هم
أنفسهم... ابدؤوا عندئذ بالحرب". إذاً اكتمل المشهد الامبريالي!
إطلاق يد شارون في البطن.. وخارطة طريق أمريكية على الجانب الفلسطيني وحشد قوات
أمريكية على الجانب العراقي أما العرب فبحسب بريجنسكي، سيدخلون في صراع حول قبول
خارطة الطريق بينما يعيش نظامهم الرسمي صمتاً مرعباً. وهو يراقب بطش شارون بفلسطين
واستباحة الأمريكان للعراق. وأستعرض هنا بعض نصوص هذه الخارطة التي أطلقها الرئيس
الأمريكي بوش بتاريخ 24/حزيران/2002.
"رؤياي هي لدولتين تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وليست هناك ببساطة طريقة لتحقيق
ذلك السلام إلا أن تحارب جميع الأطراف الإرهاب".
"إنني أهيب بالشعب الفلسطيني أن ينتخب قادة جدداً، لا تكون سمعتهم ملطخة بالإهاب".
"إذا لبى الشعب الفلسطيني هذه الأهداف استطاع أن يتوصل مع إسرائيل ومصر والأردن إلى
الأمن، وترتيبات أخرى للاستقلال".
"وعندما تتحقق هذه الترتيبات الأمنية ستدعم الولايات المتحدة إنشاء دولة فلسطينية
تكون حدودها وبعض نواحي سيادتها مؤقتة إلى أن تحل كجزء من التسوية النهائية في
الشرق الأوسط".
أما الحدود النهائية والعاصمة وغيرها من مظاهر سيادة هذه الدولة فسيتم التفاوض
حولهما بين الطرفين كجزء مهم من التسوية النهائية".
"ستوقف كل دولة ملتزمة فعلاً بالسلام تدفق المال والمعدات والمجندين الجدد إلى
الجماعات الإرهابية التي تسعى إلى دمار إسرائيل بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي
وحزب الله".
"وينبغي أن تختار سورية جانب الصواب في الحرب على الإرهاب عبر إغلاق وطرد المنظمات
الإرهابية" انتهى خطاب بوش.
فخارطة الطريق كما تشير النصوص أتت في إطار استراتيجية الأمن القومي الأمريكي وأمن
إسرائيل، إلا أنها هدفت إلى تليين الموقف الرسمي العربي بإيرادها لمصطلح الدولة
الفلسطينية، وهذا المصطلح كان الرؤساء الأمريكيون يتحاشون حتى الإشارة إليه.
لقد كان بوش يهيء الأجواء للعدوان على العراق، مثلما فعل من قبل أثناء عدوانه على
أفغانستان. ولأجل أن توضع الخارطة موضع التنفيذ، كان على الإدارة الأمريكية أن تعين
الرؤساء التنفيذين بالشروط الأمريكية، وبإعلان براءتهم من الإرهاب: هنا منح بوش
شارون براءة رجل السلام! وطلب من محمود عباس أن يقدم أدلة براءته من تهمة الإرهاب
فكان خطاب محمود عباس أمام رؤساء اللجان الشعبية في مخيمات قطاع غزة بتاريخ
26/11/2002 في سياق ذلك.
لا جدوى من خوض المعركة مع إسرائيل ، فهي دولة تم بناؤها لتنتصر على العالم العربي
مجتمعاً بلحظة واحدة" ." المقاومة والصمود شعارات فارغة، تضر أكثر مما تنفع وتؤدي
إلى وفصفنا بالإرهاب".
لقد حرف الفلسطينيون الانتفاضة عن مسارها الصحيح بعسكرتها وصدر الحكم ببراءة محمود
عباس من تهمة الإرهاب، وصلاحيته كمدير تنفيذي في موقع رئاسة وزارة السلطة
الفلسطينية. وفي إجراءات تحمل الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون بينما كلف ممثلو
اللجنة الرباعية" الأمم المتحدة – الاتحاد الأوروبي- روسيا" القائم بأعمال القنصل
الأمريكي العام في القدس المحتلة بتسليم الخارطة إلى رئيس الوزراء الفلسطيني.
وقد حددت كوندوليزارايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي، أبعاد الخارطة وإحداثياتها
بتاريخ 13/5/2003 بأنها ليست قابلة للتفاوض، وأما الأجهزة المعينة بتنفيذها، فقد
حددها وزير الخارجية الأمريكي بتاريخ 22/5/2003 بأنه سيصار إلى المباشرة بالتنفيذ
عبر قيام أخصائيين في الأمن والاستخبارات لتنسيق عملية التنفيذ، وأما الهدف فهو
اقتلاع المقاومة وتفكيك منظماتها، وتدمير بنيتها التحتية.
.
- القسم الثالث والأخير-
- خارطة الطريق -
تمنح خارطة الطريق الكيان الصهيوني هدنة جديدة ومزيداً من الوقت لهضم ما تبقى من
الأراضي المحتلة ومرحلة جديدة من وقف الصراع شرط أن يكون التوقف من الجانب
الفلسطيني وتتطلب الخارطة ترتيباً يبدو سلاماً ولكنه ليس بسلام، وإذعاناً للأمر
الواقع مبرراً بالمعاناة الاقتصادية ومتواصلاً بتغذية الانقسامات والصراعات
الداخلية .
تطرح الخارطة فكرة الدولة المؤقتة أو الدولة بحدود مؤقتة من أجل تأجيل القضايا
الجوهرية كالحدود واللاجئين والاستيطان والقدس بهدف تصفيتها وتعقيد حلها، تعيد
خارطة الطريق صوغ
أحداث 11 أيلول ، والتحول في السياسة الأمريكية ، باتجاه سياسة الضربات الوقائية ،
وطرح خارطة الطريق .
الصراع بما يلغي الحقوق الأساسية وإتاحة حل يعفي إسرائيل من الأعباء الديموغرافية
لضم الأراضي وتزوير فكرة الدولة المستقلة بتحويلها ليس فقط إلى كنتونات مقطعة
الأوصال عديمة التواصل الجغرافي من دون سيادة حقيقية، بل يجري حالياً على أرض
الواقع ، استبدال نمط الغيتو بالدولة ، حيث يستطيع السكان تولي المسؤولية المدنية،
من دون سيادة أو قدرة على تحويل " الغيتوات " إلى دولة قادرة على الحياة .
تقوم خارطة الطريق بتجريع الفلسطينيين هذا الحل الظالم بالتدريج على اعتباره حلاً
مؤقتاً ، وتقدم الذرائع لعدم تنفيذ المراحل اللاحقة باعتبار أن إيجاد حلول لقضايا
القدس واللاجئين من المستحيلات .
وتهدف الخارطة بالنهاية إلى الطلب من الفلسطينيين وبعد أن ينهوا مقاومتهم ويسلموا
أسلحتهم ، أن يقدموا استسلاماً تاريخياً في مقابل عبودية دائمة وفي
ظل نظام فصل عنصري ، هو الأسوأ في التاريخ ..
وحتى يتحقق هذا الاستسلام التاريخي ، تطرح الخارطة شرطاً لقبوله ، لا يقل عن الشرط
المذكور سوءاً ، وهو قبول الدول العربية جميعا بعلاقات كاملة وطبيعية مع إسرائيل .
-الجدار العنصري-
في اليوم الذي أعلن فيه بوش في قمة العقبة بتاريخ 5 حزيران : " أنني أطمح أن أرى
دولة يهودية نابضة بالحياة " صرح ايهود أولمرت ، رئيس بلدية القدس من الليكود
لجريدة إسرائيلية .
" لقد أمضينا ألفي عام في الغيتوات ،آن الأوان للفلسطينيين . إما أن يغادروا أرضنا
أو يقبلوا بحياة الفيتو .. "
و ليس من الصدف أن يعلن شارون البدء بتنفيذ الجدار العنصري بتاريخ 23 حزيران 2002 و
يعلن بوش خارطة الطريق بتاريخ 24 حزيران 2002. يوم واحد ، كاف ليقول شارون أن هناك
قراراً من حكومته بإنشاء هذا الجدار .
الموقف الأمريكي من الجدار ، موقف يشوبه التردد الحذر ، يعكس توافقاً مشروطاً ! فقد
صرحت كوندا ليزارايس بتاريخ 7 آب 2003 ، بأنها تسعى لإقناع شارون بالتخلي عن بناء
الجدار الفاصل أو تغيير مساره بما يكفل أدنى خسارة ممكنة للفلسطينيين و أما المتحدث
باسم البيت الأبيض فقد صرح بتاريخ 23/7/2003 ، بأن الحكومة الأمريكية بطريق حجب
ضمانات قروض ، بما يعادل ما تنفقه إسرائيل على بناء الجدار و كما حدث في مشروع
استيطان جبل " أبو غنيم " عندما قدمت الحكومة الإسرائيلية تصاريح بتبرعات لمواطنين
أميركيين بأكثر من قيمة المشروع .
و قد أكد وزير الخارجية الإسرائيلي في تصريحه للإذاعة الإسرائيلية بتاريخ 16/8/2003
بأن هناك اختلافات مع واشنطن حول المسار الجغرافي للجدار و أن تل أبيب ستأخذ بعين
الاعتبار قلق الأصدقاء " يقصد الإدارة الأمريكية " و أما الموقف الحاسم ، فقد توضح
في لقاء بوش مع شارون بتاريخ 31/7/2003 فقد تراجع بوش عن معارضته لمسار الجدار .
إذن فهذا الجدار ، هو الحد الأقصى للوضع المؤقت الذي تتحدث عنه خارطة الطريق و
سيؤدي إنجازه إلى فرض حقائق جغرافية و سكانية على الأرض ، لمشروع دولة ممسوخة
السيادة ، لا تتجاوز مساحتها 9% من مساحة فلسطين الابتدائية ، تتشكل من مجموعة
غيتوات معزولة عن بعضها بالممرات و البوابات و هذه الدويلة ستعزل عن نطاقها العربي
بترتيبات أمنية ( أسوار و أبواب ) و بصلاحيات وظيفته تقتصر على الخدمات المدنية
للسكان ، و لا يحق لها مزاولة الأمور السيادية .
الشراكة الشرق أوسطية
إذاً في ظل الحل الشاروني للصراع الإسرائيلي الفلسطيني ، كما يطيب لشارون أن يتحدث
بذلك أمام وسائل الإعلام .
يناط ببوش ، و على ضوء هذا التطور الحاسم إعادة رسم خرائط المنطقة ، و يأتي المشروع
الذي أعلنه الرئيس الأمريكي بوش في جامعة كولومبيا بتاريخ 9 أيار 2003 ، بإقامة
منطقة للتجارة الحرة بين الولايات المتحدة و الشرق الأوسط ، عبر شراكة كاملة شاملة
،استكمالاً لخطورة ما يجري.
إذاً توضحت الأهداف الحقيقية من وراء طرح بوش لمشروعه الجديد ! " أمن إسرائيل ..
أمن العالم " بهذه العبارة المقتضبة ، تجيب كوند وليزارايس على السؤال المطروح
فمشروع الشراكة المتوسطية ، كما طرحه بوش ، هو طبعة جديدة للمشروع الذي أطلقه بيريز
في نهايات القرن الماضي ، بهدف إنشاء منظمة تكون إسرائيل عضواً أساسياً فيها إضافة
إلى الولايات المتحدة . لقد وعد بوش في مشروعه ، توفير الأمل لسكانِ المنطقة من
خلال زيادة فرص العمل و التجارة الحرة ، و دعا إلى انتشار المعرفة و اكتساب النساء
درجة من المساواة و الاحترام ، مبشراً المنطقة بأنه من خلال حكم القانون ، و تداول
السلطة و الديمقراطية سترى شعوب المنطقة يوماً جديداً من العدالة و الازدهار .
كذب بوش ، فالولايات المتحدة تسرق العرب منذ قرن كامل ، و الدخل السنوي الذي ينعم
فيه الفرد الأمريكي و يقدر بـ 33000 دولار ، جلّه من المال العربي ، و النفط العربي
إن ما تطلقه الولايات الأمريكية ، هو شعارات وهمية لإقامة مؤسسات حكومية موالية لها
توحي بالتعددية و الاحترام المظهري للقانون يديرها حاكم عسكري أمريكي لاستكمال سرقة
الوطن العربي ، آلاف المليارات من براميل النفط المطمورة في باطن أرضه .
و بعدُ ...
مع سقوط بغداد المجاني ، اعتقد بوش و المحافظون الجدد ، من عصابة صهيون الليكودية ،
داخل الإدارة الأمريكية الحالية ، أن الفرصة التاريخية الثالثة للولايات المتحدة قد
تحققت ، و الطريق ممهد لمخططاتها الآسيوية :
1- استكمال النظام الإقليمي الشرق أوسطي – المتمثل بمثلث القاهرة – بغداد – الرياض
و تمثل إسرائيل مركز ثقله الاستراتيجي .
2- استكمال السيطرة على غرب آسيا – تركيا – العراق – دول الخليج .
3- بناء سور العراق – اليابان – عبر باكستان و أفغانستان بمواجهة سور الصين العظيم
و القوى المحتملة حول فيتنام و كوريا الشمالية .
4- متابعة الحصار و الضغط على محور الشر ( سورية و إيران و كوريا الشمالية ) و يمثل
نقاط الممانعة لهذه المخططات .
بقيت الانتفاضة و المقاومة الفلسطينية تشكل التحدي الأكبر بأبعادها العربية و
الدولية فقد حقق السلاح الاستشهادي ، توازن الرعب الاستراتيجي مع المشروع
الإمبريالي الصهيوني و من أجل إسقاط هذا السلاح ، عمدت الإدارة الأمريكية إلى عقد
مؤتمرين أحدهما في شرم الشيخ و الآخر في العقبة ، بهدف حشد تأييد عرب أمريكا
لمواجهة المقاومة ...
أعلن المؤتمر الاول : اقتران المقاومة بالإرهاب ، و تعهد بقطع كل المساعدات و
التمويل عنها .
و أما المؤتمر الثاني : فهو قمة دول خارطة الطريق .
أعلن فيه بوش التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل كدولة يهودية نابضة و استعداده
لمحاربة عسكرة المقاومة .و استكمالاً لهاتين القمتين نجحت ضغوط عرب أمريكا في إعلان
قبول المقاومة، لهدنة مؤقتة لمدة ثلاثة اشهر، و كان قبولها لهذه الهدنة لتفادي حدوث
اقتتال فلسطيني كان يُخطط له .
هذه الهدنة هي الأعجب في التاريخ يعلنها طرف واحد ...هو الضحية ..
و أما الآخر فيتابع بطائرات الأباتشي و صواريخه اغتيال قيادات المقاومة و المدنيين
و تهديم البيوت و تجريف أشجار الزيتون. نصل إلى أمر جلل: الإمبريالية الأمريكية
تتقاطع مع حدها الأقصى، تقف وحدها متفردة بهذا العالم، تنكرت للمنظمة الدولية ،
للحليف الأوربي المفترض ، للرعاية الرباعية لخارطة الطريق، أرغمت النظام العربي
الرسمي على قطع موارد الدعم و محاربة ما تبقى من مقاومة، ربطت مصير حكومة محمود
عباس بالقدرة على تفكيك المقاومة ، و القبول بسلطة مدنية على ما تبقى من أرض .
غيتوات محاصرة بالأسوار ، وضمن محيط صهيوني مهيمن، يريد بالحدّ الأقصى أن يحول
الوطن العربي إلى سكون شامل لا حراك فيه ، موارد بشرية و خامات و نفط ، و أنظمة
تتلقى الإملاء .
و لكن الأمة تبقى في ضمير أبنائها ، لكونها تنهل من مخزون حضاري لا ينضب .
وتأتي المقاومة ، من ضميرها تمنح لحظة توهج ، تعطي الأمل ، ما دام أطفالها وفتيانها
يتسابقون لنيل شرف الشهادة .
باستباحة العراق وفلسطين والاختراق لمعظم العواصم العربية ، وحصار الجيوش الأمريكية
والصهيونية لسورية من جهاتها الأربع ، لم يبق مشروع التحديث والتطوير ، السقف
القطري للنهوض بسورية ، كافياً ليفي بمتطلبات المرحلة وإن بقي من ضروراتها .
سورية اليوم مدعوة لإطلاق مشروع مقاومة شامل يشد الأمة من أقصاها إلى أقصاها ، يفتح
بنيتها الداخلية الثرية دوماّ بالقدرة على التفاعل مع الحدث ويشد الوطن ويحشد
الجميع إلى رباطه .كيف ؟
يبقى المجال مفتوحاً أمام كل الخيارات ، وتلك مهام الجميع دون استثناء .. ودون
تأخير .