تاريخ الاستيطان اليهودي – الصهيوني
بين وارسو والقدس
يسعدني أن نلتقي اليوم للتباحث والتدارس في مسألة الاستيطان الصهيوني الذي يستبيح
الوطن، ويبتلع الأرض يوماً بعد يوم وما أظن أن مسألة غير المسألة التي نحن بصددها
جديرة في هذه المرحلة بأن تبحث ويعمق البحث فيها، ويحول البحث إلى فعل سياسي نضالي.
إن مسألتنا معقدة، لعدة أوجه، فهي مسألة تمتد إلى جذور تاريخية سأتناولها في
عمومياتها مع بعض التفاصيل لما قد أرى من خطورة بعض عناصرها وهي معقدة في بنيتها
الراهنة كما في احتمالاتها.
قد أبدا بالفترة التي كانت فيها دولة خزرية تنحدر شعوبها من سلالات تركية مغولية.
واستقرت هذه الدولة بين البحر الأسود وبحر الخزر في القرن الخامس الميلادي. إن
الاختراقات أخذت تتالي باتجاه هذه الدولة إذ تدفقت عليها شعوب وأعراق متعددة مثل
الهانز والسابير إضافة إلى مجموعات يهودية ثابرت على الهجرة إليها خلال العهود
الساسانية والبيزنطية ثم الإسلامية.
وتحدثنا المصادر التاريخية الموثقة أنه كانت لليهودية مكانة مميزة في بلاط هذه
الدولة، لأن هجراتهم كانت تتم دوما من مراكز متفوقة حضارياً واقتصادياً وثقافياً
إلى مركز متخلف أي إلى دولة قبلية تسودها تقاليد المجتمع البدوي. وهذه الهجرة تتم
بسبب تفوق اليهود في أداء الوظائف الاقتصادية كالتجارة والرهن والإقراض، إضافة إلى
مميزات دعائية بانتحال التفوق الثقافي والروحي.
والمفاجأة الكبرى كانت في عام 740 ميلادية، حين أعلن بولان – ملك الخزر- دخوله في
اليهودية، بعد أن أقنعه أحبار اليهود أن اعتناقه لليهودية من شانه أن يجعل الله من
شعوب القبائل الخزرية المغولية، شعبه المختار وأنَّ اليهود في أنحاء العالم كافة
سيكونون السند والدعم لهذه الدولة وأن القبائل الخزرية ستتحول تبعا لذلك إلى سادة
البشرية، وأصحاب الحق الشرعي في حكم العالم .
وهكذا تحولت هذه الدولة في جملة واحدة إلى اليهودية، وبتحالفها مع الدولة البيزنطية
أخذت تهاجم أطراف الأقاليم العربية. وفي هذا المجال يقول المؤرخ الروسي أرتانا نوف:
قام الخزر بخدمة عظيمة للتاريخ الإنساني، فقد نجحوا في سد جبهة القوقاز أمام الهجوم
العربي. ويجب علينا ان نضعهم في مستوى البطولة التي نضع فيها جماعة شارل مارتل في
فرنسا. استمرت هذه الدولة ثلاثمائة سنة.
اجتاحتها قبائل الفايكبح بعد ذلك. ثم اخذت تتعرض لحملات دولة كييف السلافية وتلاشت
نهائياً عام 1030 ميلادية ولكن الشيء المهم واللافت في آن واحد، أنه بانهيار هذه
الدولة اليهودية الخزرية، تدفقت شعوبها المغولية والتركية والمختلطة معها باتجاه
السهوب والسهول المفتوحة شمالاً وغرباً.
لقد غطى هذا الانتشار ما يطلق عليه حاليا جنوب روسيا وأوكرانيا وكل بولندة، وجنوب
دويلات البلطيق، ثم أقصى ألمانيا، وامتد حتى النمسا والمجر.
وهكذا اتصل يهود الخزر بيهود أوربا عبر (فرانكفورت) لتشكيل قطب اليهودية الجديد، أي
ما زنته ستة ملايين يهودي. وكان أبرز مظاهر هذا التواصل اتخاذ اللغة اليديشية
المستمدة من اللهجة الألمانية العليا لغة مشتركة، واتخذوا الاشكناز اسماً لها،
ليتميزوا عن يهود الأندلس المعروفين بالسفا رديم.
ولكنَّ الاندماجَ لم يتمَّ بين الفريقين – لاختلاف ظروف كل منها وتطوره، فبينما
يشكل يهود ألمانيا وغرب أوروبا أقليات عاشت ضمن جيتوات وحارات- داخل المدن
والتجمعات الأوروبية – آثر معظمهم الاندماج في مجتمعاتهم فيما بعد.
كانت الأمور على الجانب الشرقي من أوروبا تأخذ منحنى آخر، إذ أخذ الوافدون الاشكناز
ينشئون المستوطنات حيث عبروا، والمدن حيث أقاموا وانتهى الأمر بهم في نهاية المطاف
إلى إقامة استيطان سكاني ضخم على الأرض البولندية اتخذ وارسو عاصمة له.
كيف تم ذلك؟ ومتى؟
ذلك ما سأتناوله في هذا البحث.
بولندة جزء من سهل واسع الأطراف مياهه وفيرة، لا حدود طبيعية له، تشكل الرواسب
الجليدية باتجاه بحر البلطيق منحدراته الشمالية، بينما ترتفع أطرافه الجنوبية لتشكل
غابات كثيفة.
سكان بولندة الأقدمون، قبائل سلافية عاشت في ظروف بدائية على الزراعة والقنص وصيد
السمك تميز موقع بولندة الجغرافي بكونه معبرا للطرق التجارية التي كانت تصل روسيا
باتحاد المدن التجارية في أوروبة.
وباعتبارها منطقة عازلة بين روسيا وألمانيا، كانت مسرح قتال للجيوش المتصارعة.
تدفقت على بولندة موجات الهجرات اليهودية الخزرية المتعاقبة ابتداءً من القرن
الحادي عشر الميلادي وسط ترحيب النظام الملكي الإقطاعي بها، لامدعي بأن هؤلاء
اليهود سيسهمون في غنى بولندة، وثراء رجال النظام فيها من نبلاء وإقطاعين...
ألم يتكرر الحدث أكثر من مرةٍ؟
كلنا يذكر عندما وجه السلطان العثماني بايزيد الثاني عام 1492 ميلادية، دعوة ليهود
الأندلس السفا رديم للمجيء إلى الدولة العثمانية، بعد تلاشي الدولة العربية في
الأندلس، لأنهم سيسهمون في غنى دولته... ونعلم جميعاً عواقب استقبالهم.
أعود للقول.. بأن النتائج الأولية للهجرة اليهودية الجديدة ولادة نظام استيطاني
متسلط، فقد انتشرت المستوطنات اليهودية في عقد التقاء الطرق والمواقع المهمة على
الأنهار، وتضخمت قريباً من قصور الإقطاع لتشكل بدايات المدن البولندية.
ومما يشير إليه في هذا المجال أن هذه المدن حافظت على أكثريتها اليهودية حتى عام
1939 ميلادية. (أي عشية الحرب العالمية الثانية).
أديرت هذه المستوطنات من قبل مجالس إدارية يهودية، تتولى تسيير أمورها الداخلية
وعلاقاتها العامةن مع السلطة الحاكمة و"الأغيار" الذين هم الرعايا البولندية
الوطنيون.
وعلى هذا أعيد تشكيل مجتمع الدولة البولندية ليتألف من يهود وفلاحين وطبقة إقطاع
دون طبقة وسطى.
أطلق على هذا النظام اسم كهال (قهال) وعلى مجمل حظيرة التوطين اليهودية.
ولم يكن هذا النظام معروف في غرب أوروبا ولا في داخل العالم الإسلامي، حيث كانت
التجمعات اليهودية تنحصر داخل المدن تحت اسم جيتوات أو حارات.
تطورت علاقة الاستيطان اليهودي مع مؤسسات الحكم، ففي القرن الثالث عشر حصل اليهود
على أرفع المناصب العليا، وتعاظم دورهم المالي في الدولة، فأوكل إليهم إنشاء دار صك
العملة وإصدار العملات الورقية، وقد كتب أحد وجهيها باللغة العبرية.
بلغ عصرُ الاستيطان اليهودي ذروته خلال القرن السادس عشر حيث تدفقت موجات جديدة من
الهجرة المعاكسة وفدت من ألمانيا.
تحول الملك في النهاية إلى رأس شكلي، واجتمعت في أيدي اليهود معظم السلطات السياسية
– مما مكنهم من الحصول على درجة كبيرة من الحكم الذاتي.
حمل يهود الخزر معهم توراتهم وتلمود هم، واستخدمت سلطاتهم النصوص المغلقة للحفاظ
على البنى المغلقة لمجتمعاتهم، ولكبت أي فكر مبدع أو مستنير.
ومع بداية عصر النهضة، اضطرت المرجعية الدينية اليهودية إلى إصدار تعديلات للتلمود
تحت اسم "شولحان عاروخ" تناولت النصوص التي تتعرض للمسيحية، كما ظهرت اتجاهات
إصلاحية "كالقبائل" و "الحسيدية" حملت هذه التبديلات إلى العالم مركباً يهودياً
جديداً باسم "اليهودي البولندي" هدفت إلى تحسين صورته الخارجية بينما بقي منغلقاً
في بنيته الداخلية.
كان القرن الثامن عشر، قرن التحولات الكبرى في أوروبا، فبإعلان مندلسون تحقق اندماج
اليهود ضمن الدول القومية حيث تم منحهم الحقوق المدنية.
لم تطل هذه التحولات بولندة فقد بقيت ساحة قتال للأطراف المتصارعة على أرضها ومن ثم
كان الاستيطان اليهودي يخضع لسيطرة القوى المنتصرة وتقدم لها التسهيلات وتستقبلها
بالترحاب...
وعندما دخل نابليون وأرسو استقبل من قبل اليهود استقبال الفاتحين. ومن الطبيعي أن
تنعكس هذه التصرفات سلباً على المشاعر الوطنية للبولنديين والذين لم يشعروا يوماً،
خلال القرون الطويلة، أن اليهود يبادلونهم حقوق المواطنة والانتماء للوطن الواحد
والتزاماتها.
ولم تمنع صورة الاستيطان اليهودي المفزعة والمهانة والإذلال الذين فرضنا على
البولنديين ليعملوا قناناً وعبيداً للأرض من فترات انبعاث وانتفاضات ظهرت فيها
أصالة الروح الوطنية البولندية ولا سيما خلال ثورتي 1831، 1863.
أعيدت بولندا إلى الاحتلال، واقتسمت بين الدول المتصارعة الثلاث، 1795 وخضعت
أكثريتها اليهودية لحكم روسية القيصرية.
وتأتي حادثة اغتيال القيصر اسكندر الثاني 1881 لتطلق شرارة الحرب الشاملة على
الاستيطان اليهودي الاشكنازي في بولندا وروسية ورومانية.
وجدت الجماهير الشعبية وجموع الفلاحين فرصتها في التعبير عن رفضها لقهر واستعباد
امتد لقرون...
فهاجمت المستوطنات اليهودية في الأرياف... إضافة إلى التجمعات اليهودية في المدن...
ولم تقم السلطات المحلية بالحد من ذلك وإيقافه بل وإن هناك من القرائن ما يشير إلى
اتصالات قامت بها المنظمات اليهودية والصهيونية للتعاون لدفع اليهود إلى الهجرة.
وكانت حصيلة ذلك هجرة ونزوحاً واسعاً شمل 2650000 يهودي توجه منهم غلى الولايات
المتحدة مليونان وغلى أوروبة الغربية 350000 بينما لم يتوجه إلى فلسطين سوى 22000
يهودي
نستخلص من هذا ، أن فلسطين لم تكن ضمن التوجه الأساسي والهدف من الهجرة، في هذه
المرحلة.
لقد عملت هذه الهجرة على تدعيم القاعدة الصهيونية الرأسمالي الإمبريالي، في
الولايات المتحدة الأمريكية بتركيز الاستيطان اليهودي في مدينة نيويورك....
وأما هواة صهيون الذين وصلوا فلسطين، فقد عملوا إنشاء ثمانية مستوطنات على غرار
النموذج البولندي بعيداً عن مدن اليشوف القديم الأربع( القدس- الخليل- صفد- طبريا)،
وكما قاموا بتدعيم المستوطنات التي أنشأها موسى- مونتفبوري وآل روتشيليد.. وكانت
تعاني الفشل. وبذلك تعد هذه المرحلة، ضمن تاريخ الاستيطان الصهيوني في فلسطين،
مرحلة تسلل، استهدفت إقامة نقط نظام اتصالات لمرحلة مرعبة تالية، إن الحالة التي
أنتجتها أحداث اغتيال القيصر الروسي، أخذت تتفاقم في أوربة بعد تدفق مئات الألوف من
اليهود عليها. وضمن معطيات التأسيس المسبق للمسألة اليهودية فيها، وضمن الاصطفافات
الأيدلوجية للمجتمع الرأسمالي، بدأت عملية المخاض للمشروع الصهيوني.
وبالمقابل كانت الزعامة تفتش عن حل استيطاني جديد بديل عن المركز الاستيطاني
البولندي الذي بدأ بالتداعي. هذا المركز يضمن إيواء عشرة ملايين يهودي. وقد افصح هر
تزل في كتابة( الدولة اليهودية) سنة 1896عن هوية المشروع الصهيوني المقترح بقوله:
"إن دولة اليهود في فلسطين، يجب أن تشكل جزءاً لا يتجزأ من سور الدفاع عن أوربة في
أسيا، وقلعة للحضارة مواجهة البربرية، وأن تعمل على إخراج السكان الأصليين وطردهم
خارج الحدود" ويمكن أن نشير هنا إلى أن النزعة البيوريتانية كانت قد سبقت هو تزل
والمؤتمر الصهيوني الأول في بازل 1897عندما أعلنت عن صهيونيتها السياسية ضمن
التأسيس للمشروع الرأسمالي الإمبريالي.
إذن فنحن نضع يدنا على أمر خطير..
"إن المشروع الصهيوني انتج نفسه من داخله ومن خارجه بمعنى أن المشروع الإمبريالي
كان بحاجة إلى مثل هذا المشروع الصهيوني
..والمشروع الصهيوني كان قد اكتشف الآليات الداخلية لإنتاج ذاته متوافقاً في هذا مع
مطامع الإمبريالية. ومن ثم نشأت العلاقة الوظيفية التي تفضي إلى مانقول عنه إنه
علاقة بنيوية.. أي بنية واحدة بوظائف قد تكون مختلفة في مرحلة أو أخرى..." والكلام
هنا لمفكرنا الكبير الأستاذ طيب تيزيني.
وبانتهاء المرحلة التاريخية التي تجيش بالصرعات وتتبلور بالأيدلوجيات، أنهى النظام
الرأسمالي، بانتصاره في الحرب العالمية الأولى، صراعاته الأوربية، وحسم مسألة آسيا
المتمثلة بالدولة العثمانية.
كما أن خروج روسيا من حلبة الصراع، بثورتها الاشتراكية وتشكيل عصبة الأمم، أرسى
زعامة النظام الرأسمالي الإمبريالي على العالم دون منازع، ودخل، من ثم، العالم في
مرحلة جديدة تمثلت في إعادة تقسيمة وفقا لمصالح النظام الجديد.. وسيكون المشروع
الصهيوني والاستيطاني اليهودي لفسطين هو مشروع الشرعي للإمبريالية في قانونيتها
الحاسمة وستكون المهام الملقاة على العالم في المرحلة التالية إتمام تفكيك المشروع
الاسطيتاني البولندي وإعادة بنائه على الأرض العربية في فلسطين.
أنيط ببريطانيا بوصفها الدولة العظمى في العالم الدور الحاضن للمشروع، فاحتلالها
لمصر عام 1882. ثم للقدس في 19 كانون الأول 1917 شكل البداية الفطية للمشروع
الصهيوني، وكان يتعين على المعنيين بتفكيك المشروع الاستيطاني البولندي المتداعي
المباشرة في عملية التجهيز الشاملة باتجاه فلسطين(... ومما له دلالة هنا، أن
الحكومة البريطانية كانت قد أصدرت" وعد بلفور" في 2 تشرين الثاني 1917)
إلا أن التحولات الكبيرة في روسيا، وصعود القوى الاشتراكية فيها عاق عملية
التجهيز.. فقد شغلت القوى اليهودية بمهام جديدة، استهدفت إجهاض مسار الثورة وحرفه،
مستفيدة من فترة الفوضى والصرعات التي سادت روسيا في نهاية عصر القيصرية.
وتجلى ذلك في المؤتمرات التي عقدتها القوى اليهودية والصهيونية؟، من أمثال جماعات(
البوند) (بو عالي تسيون)، و( الأحزاب الاشتراكية العمالية اليهودية)، و( الأحزاب
الصهيونية). وأبرز هذه المؤتمرات الذي عقد في بتروغراد( لينين- غراد فيما بعد ثم--)
لوضع الأسس اللازمة للحكم القومي الذاتي لليهود في روسيا، وتأمين الحقوق القومية
والوطنية لليهود في بولندة ورومانية.
ولكن انتصار ثورة اكتوبر الاشتراكية ورفض لينين لمفهوم اليهود بوصفهم أمة في مطلع
العشرينيات في القرن الماضي، فتح الصراع ما بين القوى الاشتراكية واليهودية
الصثهيونية. مما حقق الهجرة اليهودية الواسعة باتجاه المشروع الاستيطاني الصهيوني
على الأرض العربية في فلسطين بأطقم جاهزة وبتنظيمات تترابط ببرامج وعقائد ويجمعها
مشروع صهيوني واحد...
وسأورد بعض الأمثلة... باختصار- حيث يحتاج الخوض فيها إلى بحوث مطولة...
شكلت( حركة بو عالي تيسون) بعد عدة عمليات دمج( حزب الماباي) ثم( حزب العمل
الإسرائيلي).
شكل المتطرفون والتحريفيون أمثال مناحيم بيجين( عصابة الآرغون زفاي ليمي)، لتتحول
فيما بعد إلى( حزب حيروت) سلف( حزب الليكود) الذي يقوده شارون اليوم.
وأسس جابونسيكي- الذي حمل السلاح ضد الثورة الاشتراكية في اكتوبر أول فليق يهودي
ضمن قوات النتداب البريطاني في فلسطين.
وتحول التنظيم العسكري( هاشومير) في 1921 إلى( منظمة الهاغاناة) التي انبثق عنها
الجيش الإسرائيلي عام 1948.
( والكيبوتس الاشتراكي) الذي وضعت أسسه في مستوطنه( دجانيا) عام 1908 نما وتبلور
وأصبح رأس الحرية والمثال في تنفيذ المشاريع الاستيطانية الصهيونية.
والمنشآت العملية الأولى كالتقنيون في حيفا1924، والجامعة العبرية على جبل سكوبس،
وغيرها شكلت الأسس لتطوير مرعب الأبحاث والتطوير.. مما نشاهده في تحول إسرائيل إلى
دولة نووية.. بعد سنوات نت إعلانها إضافة إلى شبكات المدارس والمستشفيات وإقامة
البنى التحتية كمشاريع الكهرباء والمياه ومسألة النقل وبداية التصنيع ومشاريع
التنمية الزراعية والحيوانية وغير ذلك!
وبحلول عام 1931، كان الاستيطان الصهيوني يضم 175000 يهودي... أي 18% من السكان.
مكنتهم السلطة الاستعمارية البريطانية من الحصول على مايزيد عن مليون دونم تمثل
أفضل الأراضي الزراعية في فلسطين..
ويحدث الزلزال الكبير!
ففي عشية عام 1939، قام هلتر باحتلال القطاع الغربي من بولندة... ويبادر ستالين في
المقابل باحتلال القطاع الشرقي..
هكذا ومن خلال المعارك على الأراضي البولندية ما بين كر و فر وبهزيمة دول المحور،
انجلت نتائج الحرب العالمية الثانية عن نتائج كبرى... أبرزها فيما يتعلق بموضوعنا
المثار مما يلي:
أولاً: تكريس زعامة الولايات المتحدة الأمريكية للنظام الرأسمالي الغربي بصيغته
الإمبريالية.
ثانياً: تطهير كامل بولندة من الاستيطان اليهودي الذي جثم على صدرها لأكثر من ألف
سنة، إذ لم يتعد السكان اليهود فيما بعد انتهاء الحرب أكثر من عشرين ألفاً من أصل
أربعة ملايين كانوا يشكلون الاستيطان اليهودي على أرضها.
وما كان للنظام الرأسمالي الإمبريالي إلا أن يستثمر هذه النتائج لصالح مشروعه
الصهيوني ومعظمها كانت محسوبة لديه.
ففي 17ك 1 1945 قرر مجلس الشيوخ الأمريكي الدعوة إلى إطلاق وفتح باب الهجرة أمام
يهود العالم كافة، وتأييد المزاعم الصهيونية بحصول مذابح ومحارق" هولكست" تناولت
ستة يهودي وادعاء موتهم في القطارات والأفران وغرف الغاز، وأن هناك مئات الألوف من
اليهود تغض بهم الطرقات والغابات ومعسكرات الاعتقال في أوربة.
واستجاب العالم، المحكوم بهيمنة النظام الجديد، إلى هذه المزاعم فصدرت التشريعات
والقوانين في معظم الدول وفقاً للمزاعم الصهيونية.. فالعلل محكوم بالرعب...
فلا يجوز لأحد أن يدقق أو يقلل من أرقام الضحايا، ولا أن يقلل من أرقام الناجين..
ومن المحرمات الكلام في التاريخ... والبحث في السبب والمسبب! المسموح فقط ما تصدره
دوائر الإعلام الغربي للنظام الجديد، وتصادق عليه الدوائر الصهيونية.
وإلا فالتهمة جاهزة... معاداة السامية...
واستكمالاً لهذه الصورة تنصب الولايات المتحدة نفسها امرة صرف حيث على الشعوب أن
تسدد الفواتير لنفقات شحن المهجرين وبناء الاستيطان الجديد لهم على أرض فلسطين.
ولم يرتفع صوت ليقول أعيدوا هوؤلاء اليهود إلى الأقطار التي هاجروا منها بل بالعكس
زعزع الاستقرار في الكثير من الدول ليدفع اليهود إلى الهجرة منها... والأمثلة
كثيرة: الول العربية! وهناك دول أخذت الهجرة اليهودية لديها صفة الصفقات التجارية،
والأمثلة كثيرة كذلك!
فرض نظام التعويضات وأكرهت ألمانية الغربية على دفع مئات المليارات من الدولارات
وتبعتها سويسرا واليابان والقائمة طويلة... ولربما يأتي الدور على روسيا وبولندا...
والدول العربية.
تدفقت الجموع اليهودية على الأرض الفلسطينية، وتجاوز أعداد الاستيطان الصهيوني
650000 يهودي.
ومنح هذا الاستيطان الشرعية الدولية من خلال قرار التقسيم 181 تاريخ 29/11/1947!
وحققت الجيوش العربية على الأرض حدود التنقسيم لدولة الاستيطان الصهيوني بضم ما
تبقى من الضفة الغربية وقطاع غزة إلى الدولة المصرية،
وهكذا تم شطب فلسطين من الخارطة الجغرافية.
واليوم وبعد ما ينوف عن خمسين تحولت الدولة الإسرائيلية إلى قلعة صهيونية
استيطانية، تضم حوالي خمسة ملايين صهيوني، بينما يحاصر أهلنا هنا وهناك تحصدهم
نيران الدبابات وتقصفهم الصواريخ والطائرات !!
العرب حائرون مايزالون حتى الأن في هوية المشروع الاستيطاني الصهيوني- الذي أنجز،
والذي بدأ يهدد وجودهم كأمة!
هل هو مشروع ديني توراتي؟
هل هو مشروع بعث قومي صهيوني؟
لم يكلفوا أنفسهم الرجوع إلى سجلات الكينيست ألإسرائيلي، وقيود حكام إسرائيل.
أن عدد المقاعد الدينية لم يتجاوز العشرين مقعداً من أصل 120 وأن عدد المقاعد
للأحزاب التي تتحدث عن المشروع الصهيوني القومي لا تتجاوز العشرة مقاعد.. من أصل
120.
إذن السؤال الحاسم: ما هوية الدولة الإسرائلية؟ ومن يحكمها منذ نشأتها؟ إنها دولة
عنصرية يحكمها رعيل وابناء أحفاد الاشكنازيم ورثة المشروع الاستيطاني اليهودي
البولندي، أنهم يبنون قلعة صهيونية في إطار المشروع الرأسمالي الإمبريالي لإخضاع
الوطن العربي بكامله.
التاريخ لم ينته، ولا يمكن أن ينتهي:
هناك بنية خفية.. تفصح بين الحين والأخر، عن إمكانيات توهجها... بعملياتها
الاستشهادية الباهرة ولكن هذه البنية محاصرة....
في محيطها الفلسطيني...
وفي مداها العربي..
بل وملاحقة بالإرهاب من قبل راعي البقر بوش ومعسكره الاستعماري الإمبريالي...
الآمال معقودة على الجماهير العربية
أن تفك الحصار وأن تقوم بالدعم والنتصار للانتفاضة
وتبقى سورية، المرشحة لأن تكون الوجه الآخر من الإنتفاضة...
وهي مدعوة اليوم للتأسس لمشروع عربي ضمن صيغ مفتوحة
...تعمل ضمنها كل الجماهير... كل الفعاليات.... كل القوى....
حتى يتحقق النصر على المشروع الاستيطاني الصهيوني.