" يحزنني أن نلتقي اليوم على مشهد الواقع العربي ، الذي يُراد له أن يتردى أكثر
و أكثرَ ، بل و أن يستباح.
وفي الوقت نفسه يسعدني أن نجتمع لتدارس هذا الواقع بغيَّة النهوضِ به ، و إطلاقهِ
من إساره .
و ما أظن أن مسألةً غير المسألة التي نحن بصددها جديرة في هذه المرحلة بأن تبحث و
تعمق الدراسة فيها، ويحولُ البحث من ثم إلى فعل سياسي جهادي ."
مقدمة
شكل المشروع الصهيوني ، منذ مطلع القرن الماضي المشروع الشرعي للإمبريالية في
قانونيتها الحاسمة ، قانونية إعادة تقسيم العالم وفق مصالحها ، و طبقاً لذلك لم تكن
الولايات المتحدة حليفاً استراتيجياً لدولة إسرائيل فحسب ، بل هي الحليف البنيوي
للمشروع الصهيوني ، وبالمقابل سنلاحظ أن المشروع العربي الذي تحدث عنه المتحمسون
له، وجد نهاياته الباكرة خلال الحقبة نفسها .
انعكست المتغيرات الدولية على العالم فواجع وكوارث فعبر مقدرات المعسكر الإمبريالي
الهائلة حسمت الولايات المتحدة صراع القرن الماضي لصالحها . ولقد شاهدنا بزوغ توازن
غير متكافئ لمعسكرين ، إمبريالي أمريكي واشتراكي في الخمسين سنةً الأولى ، وكان
المشروع الصهيوني خلال هذا التوازن يمثل القضية المركزية في الشرق الأوسط ، ثم
شاهدنا انهيار هذا التوازن خلال السنين الخمسين التاليـة ،
لتحكم العالم بعده عولمة أمريكية واحدة .
وعلى صعيد الوطن العربي استطاعت الولايات المتحدة، عبر منظومات الحكم والأحلاف
الموالية لها ، من تحقيق مخططاتها الإقليمية المرتكزة على مفهومي الردع والعدوان من
جهة ، والاحتواء من جهة أخرى .
رُبطت دول المحيط بأحلاف إقليمية وفُجرت الصراعات مع الدول المجاورة وفقاً لسياسة
الشد من الأطراف وأُجهز على مشاريع الوحدة والتضامن وكل الاتفاقات التي جرى
إبرامُها في سياق محاولات بناء حركة تحرر عربي تنهض بمشروع عربي نهضوي .
لقد حملت حركة التحرر العربي أشكالياتها منذ إنشائها، سواءٌ أكانت تلك التي وصلت
إلى السلطة أو التي بقيت خارجها ، ما كانت حركة التحرر العربي لتكون فاعلة أصلاً
إلا بسبب بنية العالم القديم في أثناء الحرب الباردة وإذا زالت هذه البنية،زالت
بالضرورة فاعليتها ولكن دون إنجاز تاريخي، في مواجهة المشروع الصهيوني أو في حقل
الاستقلال أو التقدم الاجتماعي .
في ظل هذه الظروف المتعاقبة ، سقطت مصر
- النظام- من الجدار العربي ، وفُتحت العواصم العربية الرسمية للاختراق الصهيوني
المباشر ، ونُشرت ثقافة التطبيع ، وساد فكر الهزيمة .
سيق الجميع إلى مدريد ، طوعاً أو كرهاً ، وُقعت اتفاقية أوسلو وسلسلة الاتفاقيات
المذلّهِ .
وسط هذا الحطام العربي المروع و في ظن الكثيرين أن التاريخ قد انتهى و أنه لم يبق
في العالم إلا الدولة المهيمنة أمريكا و أن الأوراق بيدها كافة ، انطلقت الانتفاضة
المباركة تعبر عن رفض الجماهير العربية لفكر الهزيمة .
الانتفاضة طرحت سؤالاً على العالم كله ، التاريخ لم ينته ، وعلى الجميع أن يفتش عن
رهانات جديدة ولسنين عديدة أضحت الانتفاضة المشروع الحاسم على الأرض الفلسطينية
ورمز مقاومة أحرار العالم للإمبريالية العولمية .
المخططات الإقليمية
إذاً ، أحدثت المتغيرات المتلاحقة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي وسقوط حلف
وارسو وانفراط عقد المنظومة الاشتراكية وانضمام دولها للحلف الأطلسي وصعود
الانتفاضة وأحداث الحادي عشر من أيلول تبديلاً أساسياً في المخططات الأمريكية ولا
سيما الإقليمية للشرق الأوسط .
لقد وجدت الإمبريالية الأمريكية في هذه المتغيرات فرصتها التاريخية الثانية ، ألم
تكن الحرب العالمية الثانية الفرصة التاريخية الأولى ؟
قدمت مجموعة الصقور المكونة من ديك تشيني ، رامسفيلد إضافة لـ ريتشارد بيرل ، بول
وولفوتز دوغلاس فيت، جون بولتون استراتيجية مغالية جديدة جاهزة للشرق الأوسط ،
مفادها : أن العراق لا الصراع العربي الإسرائيلي هو العقبة المركزية في الشرق
الأوسط ، وأن العراق لافلسطين يجب أن تكون بؤرة النشاط لتغيير البيئة الاستراتيجية
في الشرق الأوسط .
إن لهذا التركيز على العراق جذوراً إسرائيلية ترقى على الأقل، إلى غارة بيغن على
مفاعل اوزيراك عام 1981 وهذا ما لم يزل يدعو إليه شارون باستمرار والمتابع لمقررات
مؤتمرات هرتسليا في الأرض المحتلة ، يلحظ التركيز الواضح للخطط الإسرائيلية على ضرب
القوة العراقية .
والنصف الثاني من الاستراتيجية الموجهة ضد العراق ، في نظر ريتشارد بيرل ومشاركيه ،
هو إلغاء إسرائيل لاتفاق أوسلو ورفض مبدأ الأرض مقابل السلام وإعادة احتلال الضفة
الغربية وقطاع غزة .
لذلك كانت المخططات الأمريكية الجديدة ، دعوة صريحة ، شيك على بياض وضوء ساطع أخضر
لشارون كي يستغل إلى أقصى حدّ في انتظار حل الوضع العراقي قائمة الشروط والقيود
التعجيزية التي فرضها بوش الابن على الفلسطينيين في بيانه الصادر في 24 حزيران 2002
( خارطة الطريق ) وهكذا حققت الإمبريالية العولمية بتدمير العراق الدولة – الجيش
والمؤسسات الفرصة الثالثة للولايات المتحدة الهيمنة الكاملة المباشرة على منطقة
الشرق الأوسط وموارده النفطية وهو حلم سعت إليه منذ اكتشاف النفط في عابدان عام
1908 ، وإنشاء دائرة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأمريكية في العام الذي تلاه
مباشرة .
إذاً ، ليس من الصدف أن يعلن شارون البدء بتنفيذ الجدار الاستيطاني بتاريخ 23
حزيران 2002 و يعلن بوش، بعد يوم واحدٍ فقط ، خارطة الطريق .
الجدار يمثل الحدَّ الأقصى للوضع المؤقت الذي تتحدث عنه خارطة الطريق ، مشروع
الدولة الممسوخة السيادة على مساحة لاتتجاوز 9% من مساحة فلسطين وهذه الدولة عبارة
عن جزرٍ معزولة عن بعضها بالممرات والحواجز والبوابات والطرق الالتفافية وسط محيط
من الاستيطان الصهيوني الجائر .
هذا المشهد ، هو صورة الحل الشاروني المؤقت للصراع
العربي الصهيوني ، وهو الأساس ومنصة الانطلاق للمشروع الأشمل الذي أطلقه بوش في
جامعة كولومبيا بتاريخ 9 أيار عام 2003 ، بإقامة منطقة للتجارة الحرّة بين الولايات
المتحدة والشرق الأوسط الكبير ، والترويج له تحت عنوان ، شراكة كاملة شاملة .
للتذكير فقط ، لم يكن المشروع الذي طرحه بوش طبعة مطابقة تماماً للمشروع الذي أطلقه
بيريز " الشرق الأوسط الجديد " عام 1994 بهدف إنشاء منطقة تقوم إسرائيل فيها بدور
المركز والعقل ، ويترك للعرب دور تأمين الخامات والموارد البشرية .
المشروع الذي طرحه بوش ، يربط ما بين منطقة آسيا الوسطى بحقولها ومواردها الغنية
بالبترول والثروات المعدنية، بمنطقة الشرق الأوسط التقليدية ، لتكون هذه امتداداً
لتلك، ضمن المسعى والهدف الأمريكي الإمبريالي للسيطرة الاقتصادية على العالم عبر
البوابة الآسيوية ، والدور الوظيفي
لإسرائيل في هذا المشروع سيأتي لاحقاً .
أولى مستلزمات المشروع الجديد ، القفز من فوق عملية تسوية نهائية للصراع العربي
الصهيوني ، بإبقاء الاجتياح والاستيطان الصهيوني ضمن حدوده الحالية أمام وخلف
الجدران الجديدة ، وخلق مناخ تهدئه تعمل إسرائيل من خلاله لابتلاع ما وضعت اليد
عليه من جهة ، ولخلق حالة تطبيع وتعايش وقبول ، مثلما فعلت مع حدود الهدنة لعام
1949 ، إذ تحولت حدود الهدنة إلى منطقة الحزام الأخضر .
وقد أشار شارون عقب فوزه بانتخابات عام 2000 إلى ذلك بقوله :
لنترك التسوية السلمية الكاملة لأجيال قادمة . فالمسافات بين فلاديمير جابوتنسكي
أحد الآباء الروحين لمدرسة شارون – الليكود ، وبن غوريون أحد المؤسسين للحركة
العمالية الصهيونية ، اليسار لم تكن بعيدة أبداً ، ولربما تقاربت أخيراً ...
لقد عبر بن غوريون عن اطروحة شارون الحالية منذ ستة وخمسين عاماً بالقول :
إذا أردنا أن نكون أوفياء لتاريخنا ، بين كون الحركة الصهيونية حركة مطلقة وبين كون
تبعات هذه الحركة الطارئة ، حركات نسبية ، علينا أن نحارب ، ولكن علينا أن ننتج
حالة من الهدنة تسمح لنا أن نبني .
فالموقف الذي يواجهه شارون اليوم بمواجهة المستوطنين المتطرفين هو نفسه الذي واجهه
بن غوريون عام 1949 .
نفهم هنا أهداف التحرك الأمريكي وحليفه البنيوي الصهيوني على الدوائر المتعددة ،
بدءاً من الدائرة الفلسطينية الصغرى إلى الدائرة العربية المحيطة ، وصولاً إلى
الدائرة الآسيوية الأوسع .
إنه تصفية وتفتيت نقاط الممانعة للمشروع العولمي الصهيوني ، فإنشاء الجدار
الاستيطاني وتدمير العراق وتفتيت السودان ، والتهديد بفتح الملف النووي الإيراني
عمليـات
تجري ضمن هذا الإطار .
قانون محاسبة سورية وفرض الحصار والعقوبات عليها والقرار رقم 1559 ، هي إجراءات
باتجاه الضغط على سورية للقبول بأوراق الحل الأمريكي في المنطقة ، إذ أنه بالرغم من
قرار انسحاب القوات السورية من لبنان إلا أن بوش ما يزال يفتش عن ذرائع تحت عناوين
جديدة ، كمحاربة الإرهاب والإصلاحات الديمقراطية ، من أجل تحقيق هدفه المعلن : بأن
القوة هي الخيار الأخير ضد سورية وإيران والمقاومة التي تشكل نقاط الممانعة لمشروعه
العولمي .
ولم تسلم الدول الوطنية في العالم ، من تهديدات بوش، فقد أشار في خطابه بتاريخ
31/3/2005 ، إلى أن أكثر من ستين دول في العالم تضع الحواجز الجمركية أمام منتجات
الشركات الأمريكية ، إذ أنها تشكل بسياساتها الاقتصادية نقاط ممانعه للمشروع
العولمي حسب خطابه .
نشرت جامعة انديانا الأمريكية في دراسة لها عام 1998، تقريراً عن استراتيجية
إسرائيلية يجري العمل بها ، بالتوازي مع التوجهات الاستراتيجية الأمريكية في مناطق
آسيا الوسطى الإسلامية لخلق وجود إسرائيلي قوي ، وإقامة حواجز أمام وصول النفوذ
العربي الإسلامي إليها وما هو أخطر من ذلك تنامي العلاقات الإسرائيلية الهندية
والصينية في حقول التبادل المعرفي والتقاني ، واستعداد إسرائيل لأن تلعب دور
المقاتل المأجور ، لضرب المفاعلات النووية في إيران وباكستان ، كحسابات مستقبلية
خاصة بها ولصالح الصراعات الإقليمية في آسيا .
إن هذه المخططات والمشاريع الإقليمية التي يتعرض لها العالم بشكل عام والأمة
العربية بشكل خاص ، قد تكون جزءاً من سقف العالم في المرحلة التي ما تزال
الرأسمالية في مرحلتها العولمية ، قائمة فيها .
ومن ثم فإن المخاطر ستزداد عمقاً . من هنا فإن مسألة
مواجهة هذه المخططات أصبحت أكثر من مسألة فلسطينية،كما يُروج " أهل مكة أدرى
بشعابها " إنها مسألة عربية بل مسألة عالمية.
كيف سيواجه العالم هذه العولمة المتوحشة المهددة لوجوده؟
الواقع العربي
ما يعنينا اليوم ما هو راهن ، و ما هو واقع .
يعنينا الحديث عن الواقع العربي ، بواقعه القائم وعندما تقول : واقع عربي يجب أن
ننطلق من محدد واقع قائم .
نحن أمة ، أحدد لسنا أمة دولة ، و لكننا أمة أفراد ، أفراد متعددون ومجموعات بشرية
متعددة مفككة ، ابتعدت عن إطار الأمة ، تنتمي لحاضر يرتبط بتاريخ ، والأفراد
والمجموعات المتعددة والتاريخ والحاضر مع رجال سلطة ، يشكلون دولاً قطرية - لهذا
أسبابه التاريخية لاحاجة للخوض في هذه الأمور لأنها بحثٌ مستقل له سياقه -
هناك مستويات مختلفة من التطور في كل قطر ، وبالتالي هناك مستويات في الوعي بوجود
الأمة والوعي بمواجهة الأخطار إن محصلة هذه المستويات تشكل الواقع العربي الذي
سأتحدث عنه ، قد يكون لهذا المفهوم استثناءات ولكنها غير قابلة للتعميم ، وبغياب
المؤسسات الجماهيرية- له أسبابه التاريخية كذلك - فإن الجامعة العربية ممثلة
بالنظام الرسمي العربي للدول القطرية تشكل السقف الأعلى لهذه المستويات .
ومن هنا كان الحديث عن الواقع العربي ، من زاوية النظام السياسي العربي – النظام
الرسمي - يشكل الأساس في عرض مسألة الواقع العربي .
لم يحمل النظام السياسي العربي ، أبداً ، مكونات المشروع النهضوي العربي . بقيت
جلُّ نخبه ، رهينة الانتماءات القطرية ، والمصالح المتناقضة المتضادة ، إضافة
لرهانها على القوى الخارجية المتصارعة .
ولم تستطع نخبه الوطنية المختلفة ، في هذا الحقل المليء بالتجاذب والتصارع ، أن
تحقق أي إنجاز تاريخي لجهة الاستقلال أو التقدم الاجتماعي .
وإذا كان الرهان في محصلته ينصب على القوى المتصارعة الخارجية ، فقد آل انتصار
المعسكر الإمبريالي بمطلقه الصهيوني ، في صورته العولمية الحالية إلى تردى فاعلية
القوى المكونة للنظام العربي الرسمي . التي ما كانت فاعلة أصلاً إلابسبب ارتباطاتها
بهذا المعسكر أو بذاك .
وبالتالي تهاوت كل الآمال التي عقدتها الجماهير العربية ولعقود مديدة على النظام
الرسمي وعلى مؤسساته المؤطرة له: الجامعة العربية ، الدفاع المشترك مؤتمرات القمة
إلخ .
قبول العرب لمصطلح " الصراع " في توصيف حالة الاحتلال كان البداية في منح المحتل
شرعية حق ما على الأرض العربية في فلسطين .
مؤتمرات القمة العربية
الانتقال من شعار تحرير فلسطين إلى شعار انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي
احتلتها بعد الخامس من حزيران ثم عبر مؤتمرات القمة التي أعقبت الهزيمة ، كان
تراجعاً ثانياً .
وبعودة مصر إلى الجامعة العربية عام 1987 ، ومعها اتفاقية كامب ديفيد ، كان النظام
الرسمي العربي قد دخل بيت الطاعة الأمريكي من بوابته المصرية ، حيث أقر في مدريد
عام 1991 بواقعة الأرض مقابل السلام وسجل الاعتراف الكامل بالمشروع الصهيوني تحت
عنوان "سلام الشجعان ". على أن أخطر القمم العربية كانت قمة بيروت عام 2002 ، حيث
قُبلت مبادرة الأمير عبد الله ، التي منحت المشروع الصهيوني ، حق العلاقات الطبيعية
و الأمن مقابل الانسحاب الكامل من الأرض العربية المحتلة والاعتراف بالدولة
الفلسطينية .
وتجلى العجر العربي بحده الأقصى ، عندما لم تستطع القمة
العربية في شرم الشيخ 2/3/2003 أن تتدخل لوقف عدوان الجيوش الأمريكية ، التي احتشدت
على الأرض العربية ، لضرب العراق .
وقد تجاوزت قمة تونس عام 2004 ، الاعتراف بقرارات الشرعية الدولية إلى قبول خارطة
الطريق بمضمونها الخطير ، دولة فلسطينية مؤقتة ، يتم خلالها تفكيك المقاومة وإجراء
التطبيع الكامل مع المشروع الصهيوني .
وكانت قرارات قمة الجزائر الأخيرة 2005 مخيبة للآمال، حيث قُبلت المبادرة الأردنية
بعد إجراء التعديلات عليها ، وأعادت التأكيد على المبادرة العربية وقبول خارطة
الطريق .
الجانب الثاني الذي أريد أن أتحدث عنه : يمثل حركة التحرر الفلسطيني ، التي أعلنت
عن نفسها ، في الأول من كانون الثاني عام 1964 ، كثورة تحول الشعب العربي الفلسطيني
إلى شعب مقاتل ، وبالفعل قدمت إسهاماً عظيماً في استنهاض الواقع العربي ، وعندما
تعاظم دورها وأصبحت تشكل تهديداً للكيان الصهيوني على طول حدوده مع الأردن،
وتهديداً للمخططات الإقليمية الأمريكية ، أُخرجت من الأردن في أيلول 1970 .
الثورة الفلسطينية بعد خروجها من الأردن ، بدأت تغوص في متاهات المتغيرات العربية
والدولية فقيادة منظمة التحرير الفلسطينية فتحت خطوط اتصال مع الولايات المتحدة
الأمريكية و إسرائيل ، بالتوازي مع النهج الإفرادي الذي أقدم عليه السادات في كامب
ديفيد ، وتابعت خطوات النظام العربي الرسمي التراجعية وبحضورها مؤتمر مدريد أصبحت
جزءاً منه .
الخطوة الاستباقية الخطيرة ، كانت توقيع قيادة المنظمة لاتفاقية أوسلو 9 أيلول 1993
، وبالرغم من التزام السلطة الفلسطينية بتنفيذ كافة الالتزامات المترتبة عليها .
إلا أن شيئاً ما لم يتحقق على الأرض .
لم تحقق التفاهمات اللاحقة في واشنطن 13/9/93 ، اللجان الأمنية والمعابر 4/5/94 ،
طابا- واشنطن 28/9/95 ، بروتوكول الخليل 17/1/97 ، واي بلانتيشن – واي ريفير
23/10/98. أي إنجاز.
تجاوزت قيادة المنظمة ذلك إلى تقديم التنازل الأكبر ، بإلغاء الميثاق الوطني
الفلسطيني إلا إن الحكومة الصهيونية ، لم تقم باتمام الالتزامات المحددة ، واندفع
الاستيطان الصهيوني خلال هذه الفترة إلى أقصى أبعاده ، وبقيت القيادة الفلسطينية
تجري وراء سراب الموعد المفترض لإعلان الدولة الفلسطينية بتاريخ 4/5/99 . كان من
الطبيعي أن يفصح الشعب العظيم عن رفضه لما يجري فأعلن انتفاضته الكبرى عام 1987
التي ما لبثت أن تحولت إلى مقاومة جنباً إلى جنب مع المقاومة في جنوب لبنان .
شكلت نقاط الذروة فيها ، هبة الأقصى 25-27 أيلول 1997 ثم انتفاضة الأقصى 28 أيلول
2000 ، تهديداً مباشراً للمخططات الإقليمية ، وكان لها انعكاس هائل على مجمل
المشروع الصهيوني على الأرض المحتلة .
وبدلاً من التسليم لهذا الشعب بحقوقه اجتاحت جيوش
الاستيطان الصهيوني الأرض الفلسطينية بكاملها بتاريخ 16ك1 2001 ، بما في ذلك حصار
الرئيس عرفات في مقر السلطة برام الله .
تفاهمات شرم الشيخ
شكلت الأحداث وتصاعد المقاومة على الأرض المحتلة ، في فلسطين والعراق إضافة إلى
جنوب لبنان ، حرجاً كبيراً للنظام الرسمي العربي ، وللقيادة الصهيونية ، فالولايات
المتحدة بدأت العمل بمشروعها العولمي : الشرق الأوسط الكبير ، وهي تحتاج إلى تهدئة
الأجواء في المنطقة العربية ، وما وعد به شارون ونال عليه ضوءاً أخضر بإنهاء
المقاومة خلال مائة يوم، امتد إلى سنين عديدة .
تصاعدت العمليات الاستشهادية في عمق الأراضي المحتلة لعام 1948 ، وباشرت المقاومة
قصف المستوطنات الصهيونية بالصواريخ .
فلجأت الإدارة العولمية لعرابيها في النظام الرسمي العربي، تولى حسني مبارك تقديم
الموئل : موقع شرم الشيخ لإعادة ضبط إيقاع المنطقة بنبض أمريكي ..
للتذكير فقط ، شرم الشيخ لها تاريخ عريق باستضافة التفاهمات الجانبية ، استضافت قمة
صانعي السلام – عرفات بيريز – كلينتون 1996 قمة كلينتون – باراك – عرفات بحضور
ممثلي الأمم المتحدة و الاتحاد الأوربي عام 2000 .
كان خطاب عباس أمام اللجان الشعبية في مخيمات غزة 26/11/2002 بمثابة تقديم كشف
مؤهلات .. أعلن أنه لاجدوى من خوض المعركة مع إسرائيل ، فهي دولة تم بناؤها لتنتصر
على العالم العربي مجتمعاً بلحظةٍ واحدة! المقاومة والصمود شعارات فارغة ! تضر أكثر
مما تنفع وتؤدي إلى وصفنا بالإرهاب !
وهكذا صدر الحكم ببراءة محمود عباس من تهمة الإرهاب ، وصلاحيته كمدير تنفيذي في
موقع رئاسة الوزراء للسلطة الفلسطينية.
وعلى الجانب الفلسطيني المقاوم ، تم لقاء أول ضم كافة فصائل المقاومة الفلسطينية في
القاهرة بتاريخ 5/8/2002 والثاني ما بين 1-17/3/2003 ، حيث صدر قرار بإعلان هدنة
مؤقتة لمدة ثلاثة أشهر ، تحت عنوان : تفادي حدوث اقتتال فلسطيني كان يُخطط له .
بعد توفير مناخ التهدئة المطلوب ، انعقد التفاهم الثالث في شرم الشيخ بتاريخ
4/6/2003 ، ضمن لقاءين :
الأول : ضم بوش – شارون – عباس .
حيث أعلن عباس وقف عسكرة الانتفاضة ، بينما أعلن الرئيس بوش : أنه يجب التأكد أولاً
، من وجود أراضٍ متصلة بإمكان الفلسطينيين أن يسموها وطناً " حيث قطع شارون أرض
الوطن " كان بوش على موعد مع كافة عرابي أمريكا على الضفة الأردنية من خليج العقبة
: ملك البحرين بوصفه رئيساً للقمة العربية ،ولي العهد السعودي ، ملك الأردن، حسني
مبارك، إضافة لمحمود عباس ، لإجراء جولة من التفاهمات.
لخص محمود عباس التفاهمات الجارية بقوله :
اتفقنا على البنود الأساسية التي وردت في خارطة الطريق ، وأهمها وقف كل الأعمال
المعادية فصراعنا سياسي، ولاعداوة لنا مع شعب إسرائيل .
لم تحترم دولة المشروع الصهيوني التزاماتها وفق تفاهمات شرم الشيخ الثالثة ، فواصلت
اغتيال قيادات المقاومة وعمليات عدوانها وبنائها للجدار ، استأنفت المقاومة
عملياتها الاستشهادية وقصف المستوطنات بالصواريخ بعد ست وخمسين يوماً من الهدنة ،
وكانت تفجيرات طابا بتاريخ 7/10/2004، بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير ، فقد
كشفت التورط المصري ، في انقاذ القطاع السياحي الإسرائيلي من انعكاسات المقاومة .
كان عشرات الآلاف من الإسرائيلين يتمتعون بشمس مصر الدافئة في طابا والغردقة وشرم
الشيخ وبلاجات مرسي مطروح والاسكندرية ، إضافة إلى السياحة النهرية من القاهرة حتى
اسوان .
تأتي تفاهمات شرم الشيخ الرابعة :
كان لاغتيال الرئيس الفلسطيني عرفات بتاريخ 11/11/2004 واستفراد محمود عباس برأس
السلطة الفلسطينية ، وانتخابه رئيساً بتاريخ 9/1/2005 أثره في عقد القمة الرباعية
التي ضمت :
شارون – محمود عباس ، إضافة لملك الأردن وحسني مبارك. وكالعادة مُهد للتفاهم بجولة
محادثات في القاهرة ضمت كافة الفصائل الفلسطينية لإعلان التهدئة .
لم يقدم شارون أيَ عرض يستحق البحث ، ألقى الكرة في ملعب عباس ليكبح جماح المقاومة
ويجردها من سلاحها ، على أمل أن يكون ذلك وسيلة يوفرها عباس لشارون لتطبيق خطته
الأمنية بالفصل الأحادي الجانب من قطاع غزة ، ونقل المستوطنين إلى الضفة الغربية ،
وتوسيع الاستيطان فيها .
لقد مهدت تفاهمات شرم الشيخ الرابعة إلى عقد مؤتمر لندن بتاريخ 1/3/2005 شارك فيه
مجموعة من وزراء الخارجية والأوربيين إضافة إلى كوندليزارايس وزيرة الخارجية
الأمريكية.
الهدف المعلن من هذا المؤتمر .. إعادة تأهيل السلطة الوطنية الفلسطينية ، إجراء
الاصلاحات الاقتصادية ، والأمنية لخلق أجهزة أمنية جديدة مدرية في دول عربية مثل
مصر والأردن تحت إشراف أمريكي وبريطاني مؤهلة للتصدي للمقاومة ونزع أسلحتها .
العرب الممثلون بالمؤتمر المذكور ، كُلفوا بدفع القسط الأكبر ، من المبالغ التي
تقرر رصدها لأغراض المؤتمر ، وهي ستة مليارات دولار تدفع خلال أربع سنوات .
ماذا كان الحصاد لتفاهمات شرم الشيخ والقمة العربية الأخيرة؟
أولاً على الجانب الإسرائيلي :
استكمالاً للحصاد الإسرائيلي نتيجة لإبرام الاتفاقيات مع الكيان الصهيوني منذ توقيع
اتفاقية كامب ديفيد وأوسلو ووادي عربة إلخ .....
استعرض الثمار المباشرة التي حصل عليها نتيجة تفاهمات شرم الشيخ الأخيرة .
أولاً : عودة السفيرين المصري و الأردني إلى تل أبيب .
ثانياً : توقيع اتفاقية الكويز بتاريخ 14/12/2004 ، حيث فتحت الأسواق التنافسية
الأمريكية بوجه المنتجات المصرية دون رسوم جمركية ، على أن تحتوي على مكونات
إسرائيلية بنسبة 11%
ثالثاً : الإعلان عن توسع في الاستيطان الصهيوني في الضفة الغربية خصت مستوطنة
بـ3500 وحدة تحت عنوان استيعاب مستوطني قطاع غزة ، و يعني هذا التوسع على الأرض فصل
الضفة الغربية إلى منطقتين منفصلتين تماماً.
رابعاً : شارون يقبل دعوة زين العابدين بن علي لزيارة تونس، حيث سيحضر مؤتمراً
دولياً حول تكنولوجيا المعلومات .
خامساً : تعيين منسق زمني أمريكي لإصلاح أجهزة الأمن الفلسطينية لدفعها إلى
المواجهة مع المقاومة واختزالاً للقضية
الفلسطينية في البعد الأمني .
سادساً : افتتاح ممثليات للمغرب وتونس ودول خليجية متعددة في إسرائيل .
هذا هو المعلن و ما هو خفي فهو أعظم .
أفرزت لقاءات القاهرة و شرم الشيخ في الحقل الفلسطيني ثلاثة مواقف :
الموقف الأول : يمثل فريق السلطة الذي استجاب للمطلبين الأمريكي و النظام الرسمي
العربي ، بخلق مناخ تهدئة .. بما يوافق مصالح كل طرف .
يعيد بناء مؤسسات السلطة و يستجيب لمطلب إعادة عجلة الاقتصاد ، ولهذا الفريق
اجتهاداته الخاصة بدفاعه عن الحالة القطرية والممكن السياسي والبدائل المطروحة .
الموقف الثاني : تمثله فصائل القوى الديمقراطية وترى في الهدنة تعبيراً عن حاجة
وطنية فلسطينية ملحة ، ووسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية لإحباط محاولات زرع الفتنـة
وترتيب البيت الفلسطيني لمواجهة خطة شارون .
الموقف الثالث : تتبناه حركتا حماس والجهاد ، بالتوقف عن الأعمال العسكرية لمدة عام
كامل والمشاركة في الانتخابات التشريعية القادمة ودخول منظمة التحرير . عكس هذا
الموقف تبدلاً في الممارسة السياسية ، في اجتهادٍ جديد ، يسهم في تحقيق مكاسب
سياسية مباشرة في هيكلية مؤسسات المجتمع والسلطة ومنظمة التحرير .
القواسم المشتركة بين المواقف الثلاثة :
1- تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية في مواجهة الاحتلال الصهيوني .
2- الاعتراف بحق المقاومة في المشاركة في بناء الهياكل التنظيمية مع احتفاظها
بسلاحها .
3- إصلاح الفساد ، وتفعيل الديمقراطية والتعددية والحرية ، والاعتراف بالآخر .
4- مقاومة الجدار ومحاولات عزل وتهويد مدينة القدس ودعم صمودها .
5- الاحتكام إلى الصناديق الاقتراع لاستكمال المجالس البلدية وانتخابات المجلس
التشريعي بغية الوصول إلى معايير تحكم التمثيل الحقيقي للفصائل كافة في هيئات منظمة
التحرير بعد انضواء الجميع فيها .
6- العمل على الافراج عن كافة المعتقلين والمساجين السياسيين في سجون الاحتلال
الصهيوني ومعتقلات السلطة ، وعلى رأسهم قياديون :
أمين جبهة التحرير العربية راكان سالم .
أمين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين : أحمد سعدات مع عضو قيادتها عبد الرحيم ملوح .
إبراهيم أبو حجلة ، عصام أبو دفة من قيادي الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين .
المواقف المختلف عليها والتي أجل البحث فيها لما بعد الانتخابات التشريعية :
1 - ميثاق منظمة التحرر والبرنامج الوطني المرحلي .
2 - خارطة الطريق .
3- سلاح المقاومة .
4 - المقاطعة للبضائع الإسرائيلية و الأمريكية ، و قطع العلاقات على مختلف
مستوياتها مع الاستيطان الصهيوني.
تكشفت الحالة الفلسطينية عن بنية جديدة ، أخذت تظهر أبعادها داخل الأرض الفلسطينية
، بنية تعددية ، تسمع الرأي الآخر ، تحتكم لصناديق الاقتراع .
البنية الجديدة ، فتح لمكان مغلق ، أو ما أريد له أن يبقى مغلقاً أبداً ، وبالتالي
فإن التاريخ لم ينته إلى العولمة والأمركة على أرض فلسطين .
التاريخ لم ينته ، بل سيظل مفتوحاً ، تتفاعل فيه كل الأفكار ما رُصد وما لم يرصد ،
يُسهم في فتح بنيته :
الطيف الوطني بكامله حتى الفلتان الأمني السياسي ، يعالج كردات فعل محدودة ، تُرجع
إلى أسبابها ، وتُطوق بوعي الجميع.
هذه البنية الخلافة التعددية هي سر هذا الشعب العربي العظيم على أرض فلسطين الذي
يريد استثمار كل متاح حتى المخططات الإقليمية لعدوه .
أقول : لن تصبر أمريكا على انجازات شعبنا ، وبنيته الجديدة وقد أعطت صناديق اقتراع
غزة ملامحها ، إذ كان التصويت فيها للمقاومة .. وشارون بدأ يتملص من التزاماته وإذا
ما تجاوز الحدود فالانتفاضة الثالثة – قادمة بحشد أكبر وموارد أعظم .
آفاق الواقع العربي
بقي الحديث عن آفاق الواقع العربي ، في حاضر الواقع العربي يمكن القول :
التوصيفات والارشادات والتلميحات إليه كافية ، ويمكن تلخيصها بحملة واحدة :" بنية
مغلقة " في الحديث عن الآفاق، حديث عن فتح هذه البنية المغلقة ، فتح هذه البنية من
الخارج ، مرفوض ، وله أخطاره الكبيرة ومثال العراق ليس بيعيد .
فالدبابة الأميركية لن تجلب للوطن سوى العملاء والاحتلال والخراب والضياع .
المطلوب إذاً .. المثال الفلسطيني ... على بعض مساوئه، فهو مثال تجريبي على الأرض
يحتمل الخطأ والصواب باتجاه الأفضل ، امتداد التجربة الفلسطينية العملية لتشمل
الوطن العربي كله وهي ليست معقدة وليست مستحيلة .
فتح بنية الوطن من الداخل ، على جميع الوطنيين فيه ومن
قبل كل مواطنيه ، إحداث تبديل يشمل كل الأشكال القديمة للطيف السياسي الحالي بشكل
سلس وديمقراطي وفتح البنية باتجاه الداخل ليس بمستحيل .
ومن ثم ستنكشف حالة وبنية أقل ظلامية ما تلبث أن تتبدل وتتغير صعوداً وهبوط وفق
قانون التطور الطبيعي نحو الأعلى لعلها توصلنا إلى وطن يعود إلى كل مواطنيه وإلى
تطلعاتهم .
هذا الوطن سيكون بالتأكيد الوطن الغد قوياً بأفراده ومؤسساته ، ودولته .
عصياً على عدوه .
عندها يمكن القول : التاريخ لم ينته على الأرض العربية .
المشروع الصهيوني لن يستمر والعولمة لن تنتصر .