كلمة رياض زيد
في حفل تأبين :
المرحوم المحامي عزة ضاحي بتاريخ : 25/6/2004
في قاعة المركز الثقافي بحمص لم يكن إعلان الرئيس الأمريكي بوش، في خطابيه، الأول في جامعة ساوث كارولينا بتاريخ 24 حزيران عام 2002 والثاني في قمة العقبة بتاريخ 5 حزيران عام 2003 عن طموحه بأن يرى دولة يهودية نابضة بالحياة على أرض فلسطين مفاجئاً لعزة ضاحي.
فقبل عشرين عاماً وبالتحديد في العاشر من شهر تشرين الثاني عام 1983 دان عزة ضاحي وعلى منبر المركز الثقافي بحمص إعلانا مماثلاً للرئيس الأمريكي الأسبق، كارتر، أطلقه خلال زيارة له للأرض المحتلة "بأنه كمسيحي يؤمن بحق اليهود بالعودة إلى فلسطين".
لم تكن إدانة عزة ضاحي للموقف الرئاسي الأمريكي صادرة عن ردّ إنفعالي وعن موقف طارئ، بل عن منطلق بحثي معرفي، وتناول ظاهرة تهويد المسيحية في الغرب، ذلك النهج الذي يطلق عليه اليوم تيار المحافظين الجدد في أروقة البيت الأبيض وخارجه.
ماوضع عزة ضاحي يده عليه، كان فكرة هائلة بكل المقاييس وضمن المحرم في حقل الفكر العربي التقدمي حينئذ، إذ كان ينظر إلى المسألة على أنها إنحراف رأسمالي باتجاه لاهوتي متحيز، فمصطلح "التهويد للمسيحية" لم يكن متدولاً ولم يسبقه إليه أحد.
لقد كانت صورة المقايضة التي عقدتها اليهودية مع الحاكم الروماني قبل سبع وعشرين قرناً، أخس صفقة في تاريخ البشرية وهي الأساس في محددات فكر عزة ضاحي، حيث قايضوا بارباس سفاك الدماء، بالمسيح الوديع المحب للسلام.
يستلهم عزة ضاحي التاريخ في تسلسل رتيب بما يؤيد فكرته ليصل إلى تاريخ حاسم آخر، ففي العام 50 ميلادية انعقد مؤتمر في القدس ضمّ التلاميذ كافةً، حيث وضع المؤتمرون أمام أزمة تهويد المسيحية.
صدرت القرارات وكان أعظمها ما عدَ حداً فاصلاً بين اليهودية والمسيحية، فانفتحت أبواب رحمة الله على مصراعيها لكل الأمم والأجناس يختزل عزة ضاحي المرحلة بقوله. لقد شذب الفأس شجرة إبراهيم واستبدل بها الله من المؤمنين . وقد كرست المجامع المقدسة: " نيقيه ولا دوكيا وغيرها" ، ثم تعاليم أوغسطين طهورية هذا النهج وأصالته، وأتى الإسلام فيما بعد يتابع ذلك.
لكن محاولات تقويض المسيحية من الداخل وتهويدها استمرت قروناً عديدة بلغت ذروتها في صورة المقايضة الخسيسة مطلع القرن العشرين حيث قايض الغرب المسيحي المتهور، بعباءته الرأسمالية فلسطين بوصفها وطناً قومياً يهودياً بالأرض العربية وشعبها العربي الفلسطيني.
ومع حمى مباريات تلاوة نصوص العهد القديم بين كارتر وبيغن إلى مباريات التلاوة بين السادات وبيغن أثناء زيارة الأول للقدس من نص التوراة، وكلها تقع ضمن دائرة غلبة سلطان التهويد، فقد عزة ضاحي كل ما يملك من حصافة وجبن وذعر والقول له: فانتفض لمظاهر الصمت العربي المهين، إلا من مشهد نساء الدقي في مصر يندبن عار رفع علم إسرائيل في القاهرة.
وعندما انعقد في أواخر آب من عام 1985، أول مؤتمر مسيحي صهيوني ضمّ أكثر من ستماية رجل دين ومفكر مسيحي، هتفوا بحياة إسرائيل الكبرى وصلوا من أجل عاصمتها الأبدية جند عزة ضاحي قلمه وجهوده لإدانة هذا المؤتمر ورفضه، فكانت قرارات "السينودس الإنجيلي الوطني في سورية ولبنان "بشجب قرارات المؤتمر وعدّها انحرافاً عن الدين المسيحي أحد أبرز إنجازاته الفكرية.
رحمك الله أبا فرحان، وإني وإن اختلفت معك أحياناً، إلا إنني اتفق معك في الكثير.
فقد كنت فارس الحق، ابن العروبة،
ابن فلسطين التي كانت مدائنها تسكن صدرك، ونصير المقاومة التي كنت تطمح أن تحقق العودة المحرر.
للأخ للصديق أبي فرحان، هذي كلمات قليلة لا توفيه حقه.
لأنها تظل أدنى من قامته السامقه.