اليهود والولايات المتحدة من يسيطر على من؟
تغطية إعلامية :
رياض زيد
نُشرت في :جريدة العربي الاشتراكي
آذار 2003

بدعوة من منتدى غسان كنفاني قدم الدكتور إبراهيم ناجي علوش محاضرة بعنوان: اليهود والولايات المتحدة. من يسيطر على من؟ بتاريخ 27/2/2003 في مقر منظمة طلائع حرب التحرير الشعبية –قوات الصاعقة – في مخيم العائدين بحمص بحضور جمهور كبير من النخب الثقافية بحمص.
انطلق المحاضر من نقد الموقف الساذج الذي يبرئ الولايات المتحدة الأمريكية من سياساتها في المنطقة العربية، بذريعة هيمنة اللوبي الصهيوني أو اليهودي على قرارها السياسي، ومؤكداً على اعتبار دولة الاغتصاب الصهيوني، منذ نشأت أداة من أدوات الإمبريالية العالمية، كما عرض أهمية أخذ التطورات الجديدة بعين الاعتبار التي جعلت الحركة الصهيونية، شريكاً استراتيجياً في النظام الدولي الجديد.
ثم تعرض المحاضر للبرامج السياسية للأحزاب العربية والمنظمات الفلسطينية الوطنية والقومية واليسارية، التي قامت طوال عقود، على الفصل ما بين اليهودية كدين والصهيونية كحركة استيطانية وتوسعية وعدوانية، لفظياً، إن لم يكن قلبياً، وعلى التأكيد على فكرة كون "إسرائيل" مجرد امتداد لحركة الاستعمار العالمي، مبرزا الأمثلة التالية:
1- أشار البند 22 من الميثاق الوطني الفلسطيني: إن الصهيونية كحركة سياسية ترتبط عضويا بالإمبريالية العالمية، وأن إسرائيل أداة الحركة الصهيونية، وأنها القاعدة الجغرافية للإمبريالية العالمية لمحاربة آمال الأمة العربية بالتحرير والوحدة والتقدم.
2- أشار الدكتور عبد الوهاب الكيالي في كتابه المعروف "تاريخ فلسطين الحديث" إلى بروز فكرة تأسيس دولة إسرائيل، عند بريطانيا منذ دخل محمد على باشا في مصر إلى الشرق العربي في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وذلك في وثيقة تاريخية، يقول فيها بالمرستون "إن عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين بدعوة من السلطان العثماني وتحت حمايته تشكل سداً في وجه مخططات شريرة يعدّها محمد علي أو من يخلفه.
3- أورد الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته المشهورة عن الصهيونية، أن الدولة الصهيونية ليست مؤامرة عالمية بدأت مع بداية الزمان، وإنما هي قاعدة عسكرية واقتصادية وثقافية وسكانية للاستعمار الغربي، والصراع منها إنما هو جزء من المواجهة العامة مع الحضارة الغربية الغازية وأن النفوذ الصهيوني في الولايات المتحدة ليس سبباً لسياساتها المؤيدة لإسرائيل بل هو نتيجة له وبالتالي فإن إسرائيل عبارة عن استثمار استراتيجي جيد من منظور المؤسسة الحاكمة.
4- كتب أستاذ التاريخ في ولاية كاليفورنيا، الباحث يوسف حداد إن من السذاجة القول أن اللوبي اليهودي الأمريكي، يمتلك مهارة فائقة بابتزازات لها تأثير فاعل في مركز صناعة القرارات الأمريكية مثل البيت الأبيض والكونغرس، إن أهم من ذلك، التركيز على المصالح الأمريكية بشكل عام من اقتصادية وسياسية والتي يؤمنها الكيان الصهيوني في منطقة الشرق الأوسط إضافة إلى تأثير المعتقدات اللاهوتية البروتستانتية التي يؤمن بها كثيرون من صناع القرار وأبناء الشعب الأمريكي التي تتبنى خرافات الشعب المختار وأرض الميعاد قبل ثلاثة قرون على الأقل من ولادة الحركة الصهيونية نفسها والتي حملها المستوطنات الأوربيين منهم في بلدانهم إلى الولايات المتحدة.
5- أورد الكاتب والباحث اليهودي الأمريكي "ليني برينيز" في كتابه "اليهود في الولايات المتحدة" أن المصالح الأساسية في الدولة والشركات الأمريكية هي التي تملي السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط أكثر مما تمثله السيطرة اليهودية أو الصهيونية.
يستخلص المحاضر من هذه الأمثلة، أنه كنتيجة منطقية برزت المقولة التي سادت في العقود المنصرمة والتي ترفض تبرئة الولايات المتحدة كدولة من التأييد والانحياز الأعمى للسياسة الصهيونية في المنطقة، وتعليل أهمية الطرح الرسمي والتسووي العربي والفلسطيني بالتالي الذي يقول بضرورة العمل على كسب حكومة الولايات المتحدة وخطب ودها وإنقاذها من الأيدي اليهودية المتنفذة.
ينتقل المحاضر بعد ذلك إلى عرض المستجدات ابتداءً من العقد الأخير من القرن الماضي أبرزها انهيار الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج ملاحظا أنه خلال فترة حكم الرئيس كلينتون وانتهاء الفترة بوش الحالية، بتنا نشهد تصاعداً رهيباً في النفوذ اللوبي اليهودي والصهيوني في الولايات المتحدة وقد تجلى خلال:
1- تزايد أعداد اليهود ذوي الميول الصهيونية خاصة في أجهزة الدولة والإعلام والترفيه والاقتصاد.
2- تزايد النفوذ اليهودي في مجال السياسة الخارجية الأمريكية وخاصة في الوطن العربي.
3- تزايد النفوذ اليهودي في مجال السياسة الداخلية الأمريكية ليس فقط حول المسائل المطروحة على بساط البحث اليومي، بل حتى على صعيد صياغة البنى الفكرية والاجتماعية التي يتطور على أساسها المجتمع الأمريكي.
4- وقد أورد المحاضر أن لديه كشفا يزيد عن 70 شخصية يهودية صهيونية ممن يحتلون مواقع حساسة ومهمة في الإدارة الأمريكية وفي مؤسسات صنع القرار والتأثير.
ينتقل المحاضر بعدها إلى الحديث عن تأثير ذلك على العرب ومنظماتهم في الولايات المتحدة عبر مناحي متناقضة.
أولاً: زادت قوة الاتجاه الذي يدعو إلى اكتساب تأييد الرأي العام الأمريكي والدولة الأمريكية باعتبارهم ضحايا الإعلام والتأثير الصهيوني المزيف وأن على العرب أن يقدموا مواقفهم "ليس كعرب، بل كأمريكيين"، وأن يقلعوا عن تأييد كل ما "يزعج الغرب مثل العمليات الاستشهادية وانتهاج سياسة واقعية براغماتية وأفكار "ديمقراطية" ترتكز على إدانة انتهاكات حقوق الإنسان في الدول التي لا تعجب الإدارة الأمريكية مثل العراق بالذات ومن أنصار هذا الفريق: الدكتور رشيد الخالدي، البروفسور أدوار سعيد وغيرهم.
ثانياً: ازدادت قوة الاتجاه المقاوم المؤيد للانتفاضة والمعارض لضرب العراق، لأن النفوذ اليهودي الصهيوني بهذا الشكل الفاضح أطلق مشاعر مضادة من النوع نفسه، والتركيبة نفسها، ولكن بالاتجاه المعاكس.
ثالثاً: تخلى الكثير من اليساريين والوطنيين عن قناعاتهم المقاتلة واستسلموا لأطروحات ليبرالية رخوة تتلاءم مع شعارات "الواقعية" و "فن الممكن" و "سقوط الخيار العسكري" وما شابه من مسوغات الاعتراف بالآخر ومشاريع التسوية والاستسلام الرائجة حالياً.
وبالتالي يسود الآن في صفوف المعنيين بهذا الأمر من العرب والفلسطينيين تبلور واستقطاب شديدان – ليس على مستوى سياسي بل أيضاً على مستوى وجداني يأخذ أحياناً طابع خلاف علماني – ديني – وأحياناً قومي وطني – ليبرالي بذلك وبعد هذا العرض المستفيض، عاد المحاضر لطرح السؤال الأساسي..
من يهيمن على من؟ الصهيونية أم الإمبريالية؟ ومن يوظف من؟ وإذا كان اليهود هم الذين يسيرون السياسة الأمريكية كيهود فعلى أية أرضية نعقلن صراعنا معهم غير الأرضية الدينية؟ أسئلة لا بد من طرحها:
وهذا برأي المحاضر يطرح ثلاثة أسئلة لا بد من الإجابة عليها.
أولاً: هل اليهود أمة أم دين؟ وهل اليهود هوية دينية أم هوية ثقافية لغوية حضارية كالهوية العربية مثلاً؟
يستشهد بالباحث عبد الوهاب المسيري.. ليؤكد وجود "شعب يهودي" و "شخصية يهودية متميزة " وتاريخ يهودي مستقل" وبالتالي تتحول اليهودية إلى "قضية دينية" كما أورد موقف لينين حين رفض فكرة تأسيس حزب مستقل للبروليتاريا اليهودية إذ هاجم البوند لأنهم يفتتون حركة الطبقة العاملة "البروليتاريا".
ثانياً" بقدر ما يؤمن اليهود بأنه من "شعب الله المختار" وأنه "مفضل على الأغيار" وبأنه "أعطى أرضنا فلسطين "حسب" الوعد الإلهي". إذن واستناداً إلى هذه المقدمات، كيف يمكن، كنتيجة: أن نميز ما بين عدائنا لليهود وعدائنا للصهيونية؟
والذي يزيد من تعقيد مسألة التميز ما بين اليهودية والصهيونية، إذا كانت الثانية وليدة الأولى علمانيا أو دينيا؟
ثالثاً: إذا وجد "اضطهاد" لليهود والأصح استخدام "عقاب" أو "قصاص" لليهود في أي مكان في العالم فما هو حل هذه المشكلة؟
هل هو بتأسيس ملجأ مزعوم لهم مثل دولة "إ‘سرائيل" على أرضنا العربية الفلسطينية؟ أم باندماجهم الكامل في المجتمعات التي يعيشون فيها؟ مما يتطلب منهم المشاركة الكاملة في النضال لتحويل هذه المجتمعات لتحويل هذه المجتمعات إلى مجتمعات أكثر ديمقراطية وتقدمية للجميع؟ وهو الحل الذي يجب أن يتجه إليه العالم.. لا كما حدث عند انهيار الاتحاد السوفيتي، إذ تم تهجير أكثر من مليون يهودي إلى أرضنا العربية فلسطين.
وانتهى المحاضر إلى القول:
إذا كان اللوبي الصهيوني قد حسن وضعه، فقد ارتقى إلى موقع الشريك في النظام الدولي الجديد، بعدما كان مجرد أداة من أدوات الإمبريالية وهذه الترقية ليست إلا مكافأة على الخدمات التي قدمتها الحركة الصهيونية العالمية ضد الدول الاشتراكية من جهة، وضد العرب والمسلمين من جهة أخرى ومؤشر على حجم الدور الذي ستلعبه الصهيونية على نطاق عالمي في المستقبل، وهذا يطرح أكثر من أي وقت مضى عالمية الصراع ضد الصهيونية التي كانت قاعدة الإمبريالية فأصبحت ركناً من أركانها. هذا الوضع، يعقد مهمات حركة التحرر الوطني الفلسطيني والعربي، لأنه يضعها مباشرة في مواجهة ثقل الإمبريالية العالمية كما لم يضعها من قبل كما وأنه يفتح أمامها آفاقاً جديدة على مستوى دولي لأنه يجعل قضية تحرير فلسطين قضية راهنة وفي رأس برنامج القوى المعنية جديا بهزيمة النظام الدولي الجديد من كوبا إلى كوريا ومن سيتل إلى جوهانسبرغ ومن روسيا إلى رواندا ومن العراق إلى فلسطين.