أرصفة المدينة... ولسان العرب..!
مقالة صحفية
جريدة العروبة : الجمعة 18/6/1999 –العدد 10311
المهندس رياض زيد

الرصف في اللغة: ضم الشيء بعضه إلى بعضه ونظمه.
وفي لسان العرب: الرصافة بالشيء "الرفق به".
وفي حديث عمر رضي الله عنه: أتي في المنام فقيل له تصدق بأرض كذا.
قال: ولم يكن لنا مال أرصف بنا-، أي أرفق بنا، وأوفق لنا.
والرصافة: الرفق في الأمور.
ومنه أيضاً: عمل رصيف، وجواب رصيف... أي محكم رصين.
أسوق هذه المقدمة، لنرى مدى استجابة أرصفة المدينة، لمقاييس سلفنا الصالح والتي
ضبطها العلامة أبو الفضل المشهور بابن المنظور من علماء القرن الثالث عشر الميلادي
في معجمه: لسان العرب.
وقد اضطررت لاستحضار مقاييس ذلك العصر، بعد أن استعصى علي إخضاع الأرصفة وفق ما جرى
تنفيذها، لأحكام أي دفتر شروط فني، محلي أو دولي، ولا للتفاصيل الإنشائية حسبما
وردت في المخططات المحفوظة في مستودعات مدينة حمص المصونة في قبوها السفلي.
فمن الأرصفة ما غطت ببلاط عادي انخلعت بعض بلاطاته، ولم يتم إصلاحها، فتشكلت حفر
وانهدامات تتعثر بها المارة، وفي الشتاء تمتلئ بالماء، فتغرق المارة برذاذها، منها
ما غطي بالزفت وهو أسوأها مظهرا واتمنى على المدينة لو تقلع عن استخدامه ومنها ما
غطي بحجر اللبون الأسود فالحديث عنه ذو فواجع وشجون! فلقد شهد أكثر من شارع عشرات
الحالات التي أودت بأصحابها إلى غرف الاسعاف نتيجة تعثر السائرين ولا سيما السيدات.
أما ارتفاعات الأرصفة، عن مستويات الزفت المجاور فلها شأن آخر!
قيست عينات وفي مختلف شوارع المدينة، ولدي جداول وإحصاءات بلغت في شارع المتنبي
مثلا 24سم، وعند مبنى البريد الجديد...
حتى 32سم، وشارع طرابلس وتفرعاته بلغت حتى 37سم، وفي مدخل الكرنك وأماكن الأخرى
تجاوزت 40سم. وأما تأثيرات ذلك فهامة وكثيرة وعلى سبيل المثال:
تراجع إعداد المسنين والمسنات والسيدات برفقتهن أطفال... الذين كانوا يمنون النفس
بتجوال أو تنزه في ساعات ما قبل الغروب أو المساء. والسير على الأرصفة مخاطرة لمن
هو مصاب بوهن أو هشاشة عظام، وفي الأسبوع الماضي تعثرت سيدة فكسرت رجلاها الاثنتان،
كذلك اختفت عربات الأطفال من شوارع المدينة إلا قليل! كيف لا؟
وتحتاج السيدة لمرافقة زوجها أو طلب نجدة كلما همت بالانتقال من ريف لاخر! وكذلك
الحال كلما أرادت أن تسير مع أطفالها في زيارة لأهل أو لتسويق.. عاد البيت أكثر
أمانا وهو كذلك فسبحان مغير الأحوال ! وكم من سيارة تضررت عند فتح بابها، واضطرت
للابتعاد عن الرصيف لإنزال ركابها، وما يحدث ذلك من عرقلة سير.
لقد أضحى الهروب من الرصيف والالتجاء إلى الشارع رغم مخاطره من اسلم العواقب وإذا
ما شدتنا الأقدار إلى ساحة "الساعة القديمة" ومنطقة الجامع الكبير فنسأل الله
السلامة.
نقلت مواقف وسائط النقل العامة، وحسنا فعلت المدينة، وضيقت الشوارع وحولت المتجهات
المستقيمة إلى منعرجات ومنكسرات حتى ليحتاج من يود الانتقال من مكان لاخر لدليل
سياحي ولمخطط معماري.
واستبشر الناس خيرا، فقد أصبح لمدينتهم ساحة مركزية جديدة، بأرصفة وحدائق جميلة
وتمنوا كذلك بعض الكراسي، ليلقي المسن أو السيدة عليها بعض تعبه وقد عاد بعد تسوقه
ينتظر واسطة نقل تعيده لبيته، ولكن المشهد كان مفجعاً، الأرصفة لم تكن للمارة، بل
للعربات والبسطات وتجار الشنطة والممنوعات والمهربات إذ أن تجارة سوداء قامت وراء
ما يظهر للوهلة الأولى أنه لصالح المعوزين والفقراء.
لماذا لا تخصص المدينة سوقا نظامية لتسويق الاحتياجات والملابس البسيطة، ففي كل مدن
العالم وأسواق ومجمعات منظمة يجد فيها الفقراء وذوو الدخل المحدود احتياجاتهم
بأسعار رخيصة تناسب دخلهم وتشرف عليها السلطات وتمنع فيها التجاوزات.
وكذلك فيما يتعلق بهذا المجال لابد من الحديث عن مظلات المحال التجارية التي تنتصب
فوق الأرصفة وتلحق الأذى بكل من أتاه الله امتدادا في الطول، فتشج رأسه أو تجرح
جبينه، وقساطل تصريف مياه الفريندات ونواتجها تسيل على الأرصفة دون ضابط أو رادع
وكذلك المياه المتساقطة من أجهزة التكييف وقساطل التدفئة، على المارة.
أهيب بالمدينة وعلى رأسها اليوم مهندس أكاديمي شاب يحمل كل المؤهلات والخبرات ومعه
مجلس تنفيذي فيه من كل الفعاليات والطاقات، أن تجعل مشكلة "أرصفة المدينة" من
مهامها الأولية وما أكثر مهمامها بوضع حلول عملية وإصلاح ما يمكن إصلاحه وإحداث
نقاط عبور للسيدات وعربات الأطفال والمسنين مع وضع شاخصات وإشارات لهذا الغرض وألزم
الدائرة الفنية والدوائر ذات الاختصاص لديها بالتقيد بالضوابط والمقاييس المحددة
لهذه الأعمال وبناء المجمع التجاري لذوي الدخل المحدود.
قد يصعب المنال ولكن بالإرادة والعمل تتحقق الآمال، والمدينة كلها تدعم كل جهد
مخلص، كيلا تعود الأجيال القادمة تبحث مرة أخرى في لسان العرب لابن منظور تلتمس فيه
قواعد ضبط المواصفات