متى تتولى المدرسة
خاطرة
لجنة البيئة في الهلال الأحمر السوري :

متى تتولى المدرسة
تعليم أولادنا النظافة؟
في زيارة إلى صديق يشغل إدارة إحدى المدارس الثانوية، هالني ما لمسته من غبار يغطي أطراف المقاعد الوثيرة المبثوثة في مكتبه، حتى الطاولة التي يجلس عليها لم تسلم من آثار ذلك.
أحس صديقي برغبتي في الكلام فبادرني معتذرا:
المستخدمون لدينا كثيرون لكنهم لا يعملون، لي تجربة طويلة ولا فائدة من الكلام معهم ولا أريد أن أدخلك أحد الصفوف فلسوف تدهش.
أحد المستخدمين يعد الشاي، والقهوة للأساتذة في الفرص ما بين الدروس، وآخر فاتح ميني ماركت يبيع للطلاب ساندويش وأكياس معبأة بالبطاطا، وشوكولا ومشروبات غازية، وبالمحصلة الأخيرة النتيجة كما ترى.
أعادت هذه الزيارة ذاكرتي إلى ما يزيد عن خمسة عقود للأيام الأولى لنزوحنا من فلسطين إلى لبنان في سنة 1948.
اختار والدي رحمه الله – وكان محبا للعلم- أن يدخلني وأخوتي مدرسة برمانا العالية، وتقع على بعد عشرة كيلو مترات عن بيروت، مستفيدا من نظام المنح الدراسية المجانية ولما توقفت المنحة قدمنا إلى سورية المضيافة فهي الملاذ الأخير لكل العرب.
الاهتمام بتعليم النظافة فعل مميز ولا يوجد بالمدرسة مستخدمون وشعار المدرسة بالإنكليزية
I SERVE
وبالعربية : أنا أخدم.
الطلاب في المدرسة ينتظمون في ثلاث فرق من المرحلة الابتدائية لغاية الثانوية يتننافسون في المسابقات الرياضية والهوايات الفنية وتحقيق النظافة والاهتمام بأحواض الزهور إضافة إلى علم مميز.
في الصباح يجري صف الطلاب على أطراف الساحات والملاعب، الكتف بجوار الكتف كصفوف الصلاة، يعطى الإيعاز بالتحرك فتنحني القامات وفي خلال دقائق يجمع كل ما يتناثر على الأرض من بقايا ورق ونفايات حتى ورق الشجر، يجري جمعه في أكياس خاصة حتى يحضر عمال البلدية للترحيل.
أمر أخر لا أنساه، كانت تدير قسم الابتدائية في المدرسة سيدة جليلة على ما أذكر / ماري علام الأسود/ .
كانت حازمة في إدارتها نرتعد خوفا منها تدخل الصفوف فجأة وتختار من الطلاب ثلة، تطلب منهم خلع الأحذية وإعطائها الجوارب، تشم رائحتها والويل لمن تفوح من جواربه الروائح، العقاب يكون بالتعزيز أمام زملائه وحرمانه من الخروج والاستمتاع بالفرصة وحجزه في غرفة العتمة.
كانت تعلمنا أن مسؤولية تنظيف الجوارب من مهماتنا نحن الطلاب، على كل منا أن يغسلها ويعلقها ليلبسها في اليوم التالي نظيفة، وأن نظافة المقعد في الصف مسؤوليتنا، كما كانت تعمد إلى توزيع مناوبة لتنظيف الصفوف والممرات وغرف الإدارة.
كلنا يذكر الأباء والأجداد، وهم يعملون على إماطة الأذى عن الطريق من أحجار وقطع ورق يدسونها في شقوق الجدران، لم يكن عندئذ شوارع مزفته ولا رخام على التصاوين والجدران وما تزال سيداتنا في الأرياف وأطراف المدن ينظفن المساحات الترابية أمام بيوتهن كل صباح.
الحاجة ماسة إلى إدارات وأساتذة ومعلمين يتعلمون من الآباء والأجداد من "ماري علام الأسود" كيف تدخل التربية البيئية بمفرداتها والنظافة أولا في منظومة العادات المستديمة والممارسات اليومية في إيقاع وظيفي متبادل تشترك فيه التربية المنزلية مع التربية المدرسية.