قناة البحرين " الأحمر _ الميت "
في خدمة الأطماع الإسرائيلية بالمياه العربية

تغطية صحفية لمحاضرة المـهندس ريـاض زيـد
في رابطة الخريجين الجامعيين
سوزان إبراهيم *



تشكل مشاريع الشرق الأوسط الجديد وأبرزها قناة البحرين الأحمر-الميت جوهر فعاليات المنتديات الاقتصادية العالمية ))دافوس)) التي انعقد آخر منتدى لها على ضفاف البحر الميت خلال الفترة الممتدة بين 20-24أيار الماضي.
وهذا التوقيت الذي أتى فيه مشروع قناة البحرين الأحمر -الميت والمترافق مع المتغيرات المهمة على صعيد العالم يضعنا أمام أسئلة كثيرة حول الجدوى الاقتصادية للمشروع وأبعاده في سياق المشروع الصهيوني وانعكاساته على المنطقة العربية, وهل يمكن له أن يتجاوز الهيمنة العولمية الأميركية وواقعة الاحتلال الصهيوني للأرض والإنسان والموارد?‏ كل هذه الأسئلة حاول الأستاذ المهندس رياض زيد أن يجيب عليها خلال المحاضرة التي ألقاها مؤخراً في رابطة الخريجين الجامعيين في حمص.‏ بدأ المحاضر حديثه من الخلفية التاريخية إذ تمثل منطقة وادي عربة أرض المشروع ، القاع الجنوبي للانهدام الأردني وقد كان هذا الانهدام مع منحدراته الشرقية والغربية أحد أبرز المعابر الرئيسة للتواصل البشري في حقب التاريخ القديم ودعي (بطريق الملوك).‏ عبرته الجيوش في الصراعات بين الإمبراطوريات العظمى, كما كان معبراً للقوافل والهجرات والنـزوحات البشرية الكبرى. خلال القرون العشرة الأخيرة أعيدت كتابة تاريخ المنطقة العربية باختلاق إسرائيل القديمة وتعزيز مكانة التوراة ضمن التاريخ السياسي للمنطقة (أي بعد فشل الحروب الصليبية في خلق دولة لاتينية).‏ فأصبح وادي عربة موقعاً للقناة المراد إنشاؤها أي المعبر بين مصر الخروج وأرض الوعد المزعوم والمنبت للفكر الظلامي الذي تدين له المركزية الأوروبية بقيمها ومفاهيمها.‏
لقد كانت السيطرة على موارد المياه الأساس في ترسيم كل المخططات الاستعمارية بدءاً من سايكس بيكو.‏ ويتابع الأستاذ زيد: لقد واجه مشروع جر مياه البحرين المتوسط والأحمر إلى البحر الميت معارضة عربية ودولية صدرت إثر ذلك قرارات إدانة لإسرائيل وفي انتظار حدوث تغيرات في المنطقة تسمح بتنفيذه في إطار إقليمي جمد المشروع الإسرائيلي.‏ وتبدأ سيناريوهات التنفيذ: تدمير العراق لنهب النفط العربي -انهيار الاتحاد السوفييتي- مؤتمر مدريد 1991 -اتفاقية أوسلو 1993 ومسلسل الاتفاقيات المذلة.‏ وسط هذه المتغيرات يطرح شيحومي ناحال -الذي يعد من أكبر مخططي الاستراتيجية الإسرائيلية- في وثيقة تعد من أهم الوثائق أن المنطقة المحورية بين البحر الأحمر والبحر الميت يجب أن تظل تحت السيطرة الإسرائيلية وهي خط الدفاع الأول عن الكيان الإسرائيلي.‏ في نهاية آب عام 1994 أعلن عن مشروع قناة البحرين الأحمر -الميت بإعادة صياغة التصور الأردني للمشروع . وبإبرام معاهدة السلام في وادي عربة تاريخ 26/10/1994 وضعت الأردن مواردها كافة في خدمة المشروع الصهيوني وجاء الصمت العربي كعادته يوافق على ما جرى .‏ ولكن الانتفاضة المباركة الأولى وهبة الأقصى عام 1997 وانتفاضة الأقصى عام 2000 أتت في لحظة حاسمة لتوقف الانهيارات العربية باتجاه الاستسلام والتطبيع فسقط المشروع وكان لابد من تبديل للخطط وإيجاد مدخل جديد هذه المرة عبر بوابة مشاريع البيئة العالمية.‏ إذ أعيد طرح المشروع خلال قمة الأرض في جوهانسبرغ في أيلول عام 2002 ليشكل الاعلان عنه في قمة الأرض مفاجأة كبيرة لا سيما مع وجود قرارات عربية بتجميد أي تعاون اقتصادي مع إسرائيل.‏ وقد أعلنت سورية بلسان وزير شؤون البيئة آنذاك رفضها للمشروع بسبب الأبعاد السياسية له وتعارضه مع الأهداف العربية وفي العام التالي اختيرت (الشونة) المطلة على البحر الميت لتكون مكاناً لانعقاد منتدى (دافوس) بحشد سياسي واقتصادي وعالمي غير مسبوق بتاريخ 5/7 / 2003‏ لقد كان (كلاوس شواب) رئيس المنتدى صريحاً حين شرح أهداف المنتدى في الأردن بأنه جاء لإعطاء الزخم للقاءات شرم الشيخ والعقبة وأن هذا اللقاء يلعب دوراً مركزياً في تقدم عملية السلام الحالية.‏ لكن الأخطر هو الاتفاقيات التي عقدت بعد ذلك بين إسرائيل والأردن والسلطة الفلسطينية في نيسان 2005 وسط تعتيم إعلامي كامل بالموافقة على البدء بتمويل دراسة جدوى إنشاء القناة بناء على مسودة دفتر الشروط المرجعية للمشروع -المقدمة من البنك الدولي.‏ وتعريفاً بالمشروع يقول الأستاذ زيد: تبلغ مساحة البحر الميت الحالية 650 كم2 يعاني سطحه من تراجع مستمر وقد انخفض منسوبه 45م وفقد ثلث مساحته.‏ ففي عام 1964 حولت إسرائيل نصف مياهه إلى قناة المشروع الصهيوني الرئيسي الذي ينتهي إلى النقب (فكانت الكمية المنقولة 420 مليون م3).‏ إذاً الهدف الأساسي للمشروع إعادة تأهيل البحر الميت بضخ مياه البحر الأحمر إليه بذريعة تأهيل منطقة وادي عربة وسد الاحتياجات المائية للأردن وفلسطين وإسرائيل وتبلغ كلفة المشروع:مليار دولار خصصتها الحكومة الإسرائيلية لمشروع ريفيرا البحر الأحمر و4-5 مليارات دولار لمشروع قناة البحرين الأحمر -الميت.‏ تحصل الأردن بموجب المشروع على كمية 570 مليون م3 من المياه تغطي نظرياً عجزها الحالي وقدره 250 مليون م2 لكنها ستفقد المياه الجوفية العذبة في منطقة وادي عربة المقدرة ب480 مليون م.3‏
إن التغيرات الناجمة عن تبدل الحمولات على الصفائح يمكن أن تضع المنطقة ضمن أخطار احتمال حدوث الزلازل.‏
وسيفرض المشروع على صناعة البوتاس الأردنية إعادة تأسيس منشآتها بسبب غمر المياه لها وستتعرض لخسائر كبيرة.‏ على الصعيد الفلسطيني لا تلحظ الاتفاقات المبرمة أي مكاسب اقتصادية مباشرة بل ستتابع إسرائيل سياستها العدوانية والإشارة الوحيدة إلى الفلسطينيين وردت في المادة 8/3 من اتفاقية وادي عربة ،أعلن فيها الأردن الموافقة على المساعدة في مجال العمل على توطينهم ،حيث من المحتمل تدفق العمالة الفلسطينية على المشروع بعشرات الألوف فالمشروع يحضر لتوطينهم.‏ إن مشروع قناة البحرين الأحمر -الميت خطوة جديدة في المشاريع المعدة لبناء النظام الإقليمي الجديد يصل المصالح الأميركية والإسرائيلية في البحر الأحمر بامتداداتها في العراق لقد استولت إسرائيل على الأرض العربية المشاطئة للبحر الميت تحت عنوان محمية طبيعية وذلك لمنع التواصل الفلسطيني في الضفة الغربية مع الشاطىء الغربي للبحر الميت.‏ وأشار الأستاذ زيد أخيراً إلى استقالة نتنياهو على خلفية رفضه خطوة الانسحاب من غزة والتي تعرض أمن الدولة للخطر وتقسم الشعب وتعزز الإرهاب بدل أضعافه.‏ إن شارون المتطرف أدرك بحسه البراغماتي أنه مدعو للدخول إلى مناطق كانت مقفلة: وادي عربة -محور العقبة عمان -فما يريد الحصول عليه قسراً في مناطق أخرى سيحصل عليه هنا طوعاً ونفهم إعلان شارون مباركته لمشروع قناة البحرين, بتغليب دور القوة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية, مقابل الإلقاء بكرة القوة العسكرية والأمنية في ملعب النظام المصري والسلطة الفلسطينية, كما تكشف استقالة نتنياهو أن الخطر الحقيقي على أمن إسرائيل يتأتى من المقاومة.‏ إن المقاومة هي قدر الأمة وقد فرضت على العدو الاندحار بعد أن رزحت غزة تحت احتلاله ما يقارب أربعة عقود, لقد رفض شعبنا الاحتلال ويرفض قناة البحرين وسيبقى متضامناً مع المقاومة لأنها الصرخة المدوية في وجه الاحتلال.‏
* جريدة الثورة 3/10/2005